قصة : توضيح السّيد رئيس الورديّة .
بسم الله الرحمن الرحيم .. إلى حضرة :
ابن العم الغالي ، ” أبو سليم ” ، تحيّة عربيّة
صادقة ، أبعثها إليكَ من صميمِ القلب ، وأتمنّى أن
تصلكَ وأنتَ بألفِ خيرٍ وعافيةٍ ، كما أرجو من الله
عزّ وجلّ ، أن يديمكَ على رؤوسنا سنداً لكلّ العشيرة
فنحن بفضلكَ صرنا من أقوى العشائر في المنطقة .
وبعد ياابن عمّي العزيز .. لقد وصلتني رسالتك
الكريمة ، وتبيّن لي أنّ الشّكاوى التي وصلت إليكَ
بحقّي ظالمة ومغلوطة ، فأرجو ألاّ تلومني إلاّ بعد
أن تقرأ رسالتي .
نعم .. أعترف لكَ بأنني أقوم بضربِ عمّالي ،
ولكننّي أضربهم بدافع حرصي على المصلحة العامة
كما علّمتنا أنت ، فليست لي عداوات شخصيّة مع أحدٍ من العمّال ، كما طلبتَ منّا أنتَ ،فأستغلّ منصبي لأضربه ، كما جاءتكَ الأخبار ، ثمّ أننّي لا أستسني أحداً من الضّرب ، حتّى لا أحد يتحسّس منّي ، بما فيهم أولاد عشيرتي ، وهذا دليل كبير على نزاهتي وعدالتي ، لأنّك المَثَل الأعلى في هذا المجال ، دون منافس ..فأنا أكره أخذ دور المتسلّط ، وعندي المصلحة العامة ، كما تعلم ، تقتضي الشّدة والحزم ، ليتمكّن المسؤول من إنجاح عمله ، كما تقول أنت دائماً في مؤتمراتك المؤثرة ، انطلاقاً من إيماننا المشترك بالاشتراكية ، لأنني أعي ذلك ، فأنا أبذل كلٌ مابوسعي لتوعية العمال الجهلة ، لمصلحتهم ومصلحة البلد .. ومن لا يفهم ويستوعب، بعد كلّ هذا، ألا يستحق منّي التوبيخ والعقوبة والزجر والضرب ؟!.
أمّا العمال الذين رفعوا تقريراتهم إلى النقابة ،
فينبغي طردهم من العمل ، ليكونوا عبرة للآخرين ،
وبذلك لا تدبّ الفوضى في المخبز ، وأمّا رئيس
قسم العجن ، ” سعيد الصالح ” ، فعلينا التحقيق
معه فوراً ، لأنّه يحرّض العمال ضدّي .. وهذا
ينعكس سلباً على المصلحة العامّة ، وعلى الوطن
وأمنه عامّة ..وهنا تكمن الخطورة والفظاعة
والبشاعة ياابن العم .. ” فسعيد الصّالح” هذا
لا يسمع الكلام ، ولا ينفذ الأوامر ، أقول له دائماً :
– عجبب أمرك يا سعيد ؟!.. كيف تحرّض العمال
ضدّي ، وأنت ابن عشيرتي ؟!.
فيتّهمني بأنّي أضرب العمال لغاية شخصيًة.. واستمرّ
في تحريضه للعمّال ، حتّى تفشّت ظاهرة خطيرة
للغاية ، وهي مجادلة العمال لي ، والتفلسف ،والمطالبة
بالحقوق .
يريدون تقليل ساعات العمل ، وكأنّ عشرة ساعات
من الاستراحة في اليوم الواحد لا تكفيهم ؟!.. فهم لا يدرون أنّ الأمم المتقدمة تعمل ليلاً نهاراً ، وهذه المعلومة ، مقتبسة من خطبك أنت ياابن العم .
كما قلت لك ياابن العم العزيز ، العمال يطالبونني
بأشياء مضحكة ، والأكثر غرابة أنهم طالبونني بالسماح لهم بالنوم بضع ساعات ، خلال دوامهم الرسمي ، أسوة بي ، صاروا / الكلاب / يحسدونني على كم ساعة أنامها ، متناسين المسؤلية الجسيمة الملقاة على كاهلي ؟!.
انظر إلى هذه الوقاحة ، وقلة الذّوق ، وعدم
التقدير والاحترام ، ياابن العم ، والله أكاد أجن من
هذه الصّفاقة وعدم الشعور بالمسؤلية .. إنّهم جهلة ،
أوغاد !!! .
أشياء خطيرة تحدث عندي في المخبز ، وأخشى
أن يقوموا بالإضراب ، أو بتحطيم الآلات ، وأنا بحكم مسؤليتي لن أسمح لهم بذلك .. لذلك أبدو قاسياً عليهم بعض الشيء .
… نعم .. لقد ضربت عامل القطّاعة ، ذلك الكهل
الأجرب ، بسبب استهتاره وعدم تقيّده بالتعليمات
الصادرة عنّي، قلت له أكثر من مرّة :
– ممنوع شرب الشاي أثناء العمل ، أنت هنا كي
تعمل .. والمصلحة العامة تقتضي منكَ أن لا تضيّع
دقيقة واحدة هدراً ، دون انتاج.
لكنه بهيم لا يفهم ، دائماً يكرر نفسَ الجريمة ،
وأجده يشرب الشاي ، والأفظع من كلّ هذا ، أنّه بدأ
يجادلني ، ويناقشني ، قال :
– ياأستاذ ” خيّار ” دوامنا طويل أربع عشرة ساعة
ونحن وراء الآلة ” ساهرون ” ألا يحقّ لنا أن نشرب كأس شاي ؟!.. أنت عندك / وهنا بدأ يتحاقر / ، أنت عندك هنا ندوة ، وعاملة خاصة من أجل أن تصنع لك الطعام والقهوة والشاي، فلماذا المسموح لكَ ، ممنوع علينا ؟!.
وهنا لم أعد أمتلك أعصابي ، فضربته ، وحرمته
أجرة العمل الإضافي لمدة شهر كامل ..وأعتقد بأنني لم أظلمه ، بل هو من ظلم نفسه بنفسه .. بسبب حيونته .
والكلب ” سعيد الصالح ” ، أقنع هذا العامل الغبي
بضرورة رفع تقرير بي .
وممّا قاله في التّقرير :
– ضربني رئيس الوردية ، لأننّي لم أقدّم له الكرسي
في باص النقل الدّاخلي ، فقد التقينا صدفة في
الحافلة ، وكنت قد منّ الله عليّ بكرسي ، وأنا
متعب .. وفجأة لمحت رئيس الواردية في الباص ،
واقفاً ، لا مكان له .. وخطر لي أن أنهض وأتنازل
له عن مكاني .. ولكنّي أكبر منه سنّاً .. أنا بعمر
والده ، ثمّ أننّي متعب ، ومنزعج منه ، فقد تسبب
بحرماني من أجرة العمل الإضافي ، لمدة شهر
كامل .. لذلك تظاهرت بعدم الإنتباه له .. ولم أعطه
مقعدي .
لنفترض كلامه صحيحاً ، أليس على النقابة أن
تبصق في وجهه الأجعد ، لأنّه تشاغل بالنظر إلى
الشوارع ، من خلف الزجاج ، ولم يقم متطاهراً بأنّه
لا يراني ؟!..
أليس من حقّي أن أغضب ؟!.. لقد شعرت بأنّه
أهانني حين تجاهلني ، إنّه لم يحترم رئيس ورديته
بالتالي كان مستهتراً بالنظام وبالمصلحة العامة ، صحيح يكبرني بأكثر من ثلاثين عاماً ، ولكن مع هذا أبقى رئيس ورديته ، وعلى الإنسان المحترم أن يحترم من كانوا مسؤولين عنه ، لأنّ الله سبحانه وتعالى خلقنا درجات .
وهكذا وبنفس الطريقة حرّض ” سعيد الصالح “
كلّ العمال ضدّي ، فصاروا عصابة متحالفة ، يكتبون
التقارير ضدّي ويقدمها” سعيد الصالح ” للنقابة ،
حتّى أنّه لا يقدم التقارير للّجنة النقابية عندنا في
المخبز ، لأنّه كما يزعم بأنّ اللجنة النقابية منحازة
معي ، وهي مع الإدارة ضدّ العمال ، لذلك يقدّم
التقارير إلى أمانة النقابة بالذات ، وهؤلاء النقابيون
باتوا يزعجونني ويقلقون راحتي ، ولولا أنّهم يعرفون
بأنّ ظهري مسنود بجنابكم ، لكانوا قد ضايقوني بالفعل .
ولكن مع هذا فالنقابة شجعت العمال بشكلٍ
غير مباشر على الاستهتار بي ، حتّى إنّهم بدأوا
يطلقون التّسميات عليّ ، يقولون :
” إنّي أبو طبخة ” ، لأنّ كرشي كبيرة ، ويدّعون أنّي
ألتهم طبخة كاملة في وجبة واحدة ..وكأنّ هؤلاء
البهائم يطعمونني على حسابهم ، صارت الكرش
مسخرة للجهلة !!..
مع أنّها صحة من الله عزّ وجلّ ، وأنا أفتخر بها لأنّها
تمنحني الوجاهة ،أليس كلّ المسؤولين أصحاب كرش
مثلي ، وخاصةً كرشك أنت يا ابن عمّي كم لها
من هيبةٍ ووقار ؟!.
ويسمّونني أيضاً قزماً ، وكأنّ القصر شيء معيب
متناسين بأنّ كبار المسؤولين في العالم قصيرو القامة
وأيضاً يقولون عنّي :
– أبو رأس الكبير .. والأصلع .
متجاهلين أنّ الرأس الكبير والأصلع ، يمتاز بالعبقرية والذّكاء .
وراحوا يرسمونني على الحيطان داخل دورة المياه ، ويسقّطونني على الجدران أيضاً .
شائعات كثيرة يتداولونها ، منّها أنني أنا الذي قمت بتعيين المدير ، وجميع الإداريين، ويقولون عنّي :
– لو كان يملك شهادة دراسيّة ، لنصّب نفسه مديراً
عاماً .
وبعد كلّ، ذلك ، أليس من الواجب أن نضع فردة
حذاء في أفواه من يتفلسفون ؟!.. ،خصوصاً وأنّهم راحوا أيضاً يتهموننا بالسرقة أنا وجميع الإداريين .
لقد بدأت أفقد هيبتي في المخبز ، ولا يمكنني ترك النقابة تشجّع العمال على هذا النّحو ،والسّكوت عن ” سعيد الصّالح ” رأس الفتنة ، الذي قال عنّي في أحد تقاريره :
– شاهدّت رئيس الوردية يمارس الجّنس مع عاملة التّجميع ” مريش الصّياد ” ، كانت ” مريش “ تبكي وترجوه أن يتركها في حالها.
لأنّها دخلت المستودع كي تأخذ أكياس نايلون ، من
أجّل تعبئة الخبز ،وانقضّ عليها رئيس الوردية ، مهدداً
بأنّها لو عارضت ، سوف يطردها من المخبز ، مع حرمانها كامل راتبها ، وحينما حاولت التدخل ، وكنت مصادفة قد دخلت المستودع ، ضربني رئيس الوردية
ولم يكتفِ بأن يضربني ويطرد العاملة “مريش ” من عملها ، بل حرمني أجرة العمل الإضافي ، لمدة شهر كامل ، وأنا منذ أكثر من سنة لم أتقاض أجرة العمل الإضافي ، بسبب العقوبات الدائمة ، ولو لم أكن مثبّتاً في وظيفتي ، لكان طردني أيضاً مع العاملة ” مريش الصياد ” .
كان هذا السّافل يتجسّس عليّ إذاً . ولا تستغرب
أن ينشر أخبارك غداً ، في البلدة ، فهو ابن عمّك ويعرف كلّ أسرارك .
ثمّ مادخله هو والنقابة في مثل هذه الأمور
الشّخصيّة ؟!.. وأنا لم أغتصب العاملة ” مريش
الصّياد ” بل كانت تمانع دلالاً ” كعادتهنّ ” ، وحينما
تفاجأت ” بسعيد الصالح ” ، يدفع باب المستودع
يدخل علينا ، انقلبت وصارت تتظاهر بالعفّة
والشّرف .. ويقول المثل ( اللي مابدّلي زمبيلها ،
ماحدابعبيلا ) هذه أشياء خطيرة تحدث ، كما ترى
ياابن العم ، ياصهري العزيز .. فلماذا لا نتخلٌص من
” سعيد الصالح ” هذا ، انقله .. من هذا المخبز ، أو
دبّر أيّ طريقة للتخلّص منه .. وإن لزم الأمر نتخلّص
من كلّ العمال ، وأنا على استعداد كامل لتدبير
عمال وردية كاملة تكون مخلصة لي خلال يوم
واحد ..
وإلاّ أرجوك أن تنقلني من هذا المخبز ، إلى أي شركة
تراها مناسبة لي ، رغم حرصي الشديد على البقاء
مع الأخوة الإداريين ، وخاصة المدير ، لما بيننا من
حبّ وتعاون .
وأخيراً .. فأنا لا أشكّ أنّكَ الآن ، تبينت الحقّ من الباطل ، وإنني على ثقة من أنّك لن تتركني أعيش في مثل هذه المهزلة .
ودمتم لنا ياابن العم .
التوقيع : ابن عمّك
خيار المهيدي .
ملاحظة :
=======
بلّغ تحيّاتي وتحيّات زوجتي رتيبة .. إلى شقيقتي
( سعاد ) وكافة الأولاد . وندعوكم لقضاء عدة أيام عندنا في البلد .
هناك مشكلة بيننا وبين ( عشيرة الزّحلان ) عسى
بوجودك أن تجد لها حلّاً ، خاصة وأنّهم يخافون من
وجودك بيننا .
ملاحظة ثانية وهامة :
==============
أحمد شقيق زوجتي ، مطلوب لخدمة العلم ، بعد أيام سنرسله لعندكم في العاصمة ، من أجل فرزه لمكان مناسب .
وشكراً .
بقلم
مصطفى الحاج حسين .
سوريا
أضف تعليق