
International pens newspaper
فالح الكيــــــلاني
.
ومراحل تطور الشعر العربي هو أنّ الشعر القديم يختلفُ في بعض جوانبه عن الشعر في الوقت الحاضر، وأهمّ ما يميّز الشعر القديم حِرصهِ على الوزن والقافية ونظم البيت على الصدر والعَجز، وكان كل شعر لا يتم نظمه على الوزن والقافية لا يعتبرُ شِعراً بل يعتبرونه نثرا أو فصاحة فِي العصر الحديث، فالشعر القديم يؤخذ عليه انه يعتبرونه رافدا من روافد الامتاعِ والمؤانسة والنفعِ الحسي ينقل مشاعر الشاعر ويعتبرُ مصدرَ طرب لدى العرب ويدعو إلى التحلّي بالأخلاقِ الكريمة والفضائل القيمة والنفورِ منَ الصفات السيئة غير الحميدة .وقد اعتدنا ان نرى في الشعر الحديث تصنيفين اساسيين هما:
1- الشعر العمودي : والمقصود به كل شعرعربي كتب قبل عصرالنهضة العربية الحديثة وربما قصد به بعضهم كل شعر كتب على نمط شعر قصيدة العمود القديمةوالتي وجدت في الشعرالعربي منذ عصرالجاهلية وحتى هذا العصر المعاصر او هذا اليوم .وهذا ما اراه تجاوزا على كثير من الشعراء الذين لايزالون يكتبون الشعرالتقليدي او الشعر العمودي وهو ما اسموه بالشعرالتقليدي او( التقييدي) عند البعض الاخر لانهم يعتبرونه مقيد بالوزن والقافية كما يسمى بالشعر العمودي نسبة إلى نوعية نسق كتابة هذا الشعر باستخدام الشطر والعجز في التنظيم النمطي لكتابته مع العلم ان اغلب الشعرالعربي هو من هذا الشعر وتعتبر قصيدة العمود اساسا للشعرالعربي قديما وحديثا ولا تزال .ومن قصيدة العمود هذه الابيات لامير الشعراء احمد شوقي بك :
دَمُ الثُوّارِ تَعرِفُهُ فَرَنسا وَتَعلَمُ أَنَّهُ نورٌ وَحَقُّ
بِلادٌ ماتَ فِتيَتُها لِتَحيا وَزالوا دونَ قَومِهِمُ لِيَبقوا
وَحُرِّرَتِ الشُعوبُ عَلى قَناها فَكَيفَ عَلى قَناها تُستَرَقُّ
رُباعُ الخلدِ وَيحَكِ ما دَهاها أَحَقٌّ أَنَّها دَرَسَت أَحَقُّ؟
إِذا عَصَفَ الحَديدُ احمَرَّ أُفقٌ عَلى جَنَباتِهِ وَاسوَدَّ أُفقُ
سَلي مَن راعَ غيدَكِ بَعدَ وَهنٍ أَبَينَ فُؤادِهِ وَالصَخرِ فَرقُ
2- الشعر الحر او ( شعر التفعيلة ) وهو ما استحدثه جماعة من شعراء الحداثة منهم بدر شاكرالسياب ونازك الملائكة وعبد الهادي البياتي وصلاح عبد الصبور وغيرهم كثيرمنالشعراء في اغلب الاقطارالعربية وخاصة مصر وسوريا ولبنان ..ومن الشعرالحر هذه المقاطع للشاعرة فدوى طوقان من فلسطين : .
كفاني أموت عليها وأدفن فيها
وتحت ثراها أذوب وأفنى
وأبعث عشبًا على أرضها
وأبعث زهرة إليها
تعبث بها كف طفل نمته بلادي
كفاني أظل بحضن بلادي
ترابًا، وعشبًا، وزهرة. …وقد وجد الاستحداث والتغيير في الشعرالعربي منذ العصر العباسي حيث تطلب ايجاد انواع من الشعر قريبة من الاصل في الوزن او الموسيقى وكذلك في المعنى والاسلوب لكنها اسهل في استخدام الغناء واللحن فاستحدثت الوان من الشعر عبر قرون من الزمن . واستمر التغيير او ايجاد انواع من الشعر وفق الفترات الزمنية ومتطلبات الحياة ومتغييراتها ومنها مايلي :
1- الدوبيت :
ويعني البيت المزدوج او البيت المشطور الى اثنين ينظم بيتين بيتين من الشعر ويعد من المربعات ايضا , و شعر الدوبيت ظهر في القرن الثاني الهجري – لدى بعض المتصوفة والزهاد ثم انتشرت ويعد تطورها ونضجها وانتشار الرباعيات التي نظمت في العربية كانت لأبي العباس (الباخرزي) وهو من شيوخ الحاكم النيسابوري، المتوفي سنة 405هـجرية ، ومن رباعياته يقول في احداها :
قد صيرني الهوى أسير الذلة
واستأصل هجره بصبري كله
واستنهكني وما بجسميَ عِلّة
لا حــــــــول ولا قـــــوة إلا بالله ومن ثم انتشر او كتب فيه الشاعر بها الدين زهير ونصير الدين الطوسي وجلال الدين الرومي الذي كان له الفضل في إيصالها إلى بلاد الروم، ومنهم سعد الدينر بن عمر وكذلك الشاعرالفارسي عمرالخيام ورباعياته المشهورة الجميلة وهو صاحب ( رباعيات الخيام) المشهورة. الرباعيات هي عبارة عن مقطعات متكونة من أربعة أشطار، الشطر الثالث مطلق بينما الثلاثة الأخرى مقيدة، وهي تعرف باسم الدوبيت بالفارسية، وقد نظمها بالفارسية رغم أنه كان يستطيع أن يصوغها بالعربية لكنه نظمها بالفارسية انتصارا للغته الاصلية التي بدت باستعادة موقعها بعد كادت تضمحل . كان في أوقات فراغه يتغنى برباعيات في خلوته، وقد نشرها عنه من سمعها من أصدقائه، وبعد عدة ترجمات وصلت لنا كما نعرفها الآن. ويرى البعض أنها لاتنادي إلى التمتع بالحياة والدعوة إلى الرضا أكثر من الدعوة إلى التهكم واليأس، وهذه وجهة نظر معينة ، وقد يكون السبب في ذلك كثرة الترجمات التي تعرضت لها هذه الرباعيات، بالإضافة إلى الإضافات، بعد أن ضاع أغلبها. من جهة أخرى هناك اختلاف على كون الرباعيات تخص عمر الخيام فعلا، فهي قد تدعو بجملتها إلى اللهو واغتنام فرص الحياة الفانية، إلا أن المتتبع لحياة الخيام يرى أنه عالم جليل وذو أخلاق سامية، لذلك اعتبر بعض المؤرخين أن الرباعيات نسبت اليه بطريقث الخطأ ومن هذه الربعيات الابيات الرائعة التالية التي ترجمها للعربية الشاعر احمد رامي حديثا انقلها كما حفظتها :
سمــعت صـوتا هاتــفا فى السحـــر
نادى من الغــــيب غفاة البشـــــــر
هبوا املأوا كــأس المــــنى قبل أن
تملأ كأس العـــمر كف القــــــــدر
لا تشـــغل الـــــبال بماضى الزمان
ولا بـــــآت العيش قبـــــــل الأوان
واغنم من الحـــــاضـــر لــــــــذاته
فلـــيس فى طبع الليالى الأمــــــــان
أولى بهذا القـــلب أن يخفــــــــــق
وفى ضـــرام الحــــب أن يحــــرق
ما أضيع الـــيوم الذى مـــر بــــى
من غير أن أهوى وأن أعـشـــــق
أفـــق خفـــيف الــظل هذا السـحر
نادى دع الـــــــنوم وناغ الوتـــــر
فــــما أطـــال الـنوم عـــــمرا ولا
قصر فى الأعمار طول الســــــهر
فـــــكم تــوالى اللــــيل بعد النهـار
وطال بالأنــــــــجم هذا المــــــدار
فامش الهـــوينا ان هـــــــذا الثرى
من أعين ساحـــــرة الإحـــــــورار
لا توحش النــــفس بخوف الظنون
واغنم من الحاضر أمن اليقيــــــن
فقد تســـاوى فى الثرى راحل غدا
وماض من الــــوف الســـــــنين
أطفىء لظى القلب بشهد الرضاب
فإنما الايـــــــام مثل الســــــحاب
وعــــيشنا طيف خيال فنل حظك
مــــــنه قبل فـــــوت الشــــــباب
لبست ثوب العيش لم استشـــــــر
وحــــــرت فيه بين شتى الفــــــكر
وسوف انــــضو الثوب عنى ولم
ادرك لمــــــاذا جئت اين المفـــــر
يا من يحـــــــار الفهم فى قدرتك
وتطلب النفس حــــمى طاعـــتك
اســــكرنى الإثـــــــــــــم ولكننى
صـــحوت بالآمال فى رحمتـــــك
إن لم أكن اخلصـــت فى طاعتك
فإننى أطمــــع فى رحمــــــــــتك
وانمــــــــــا يشـــــفع لى اننى قد
عـــــشت لا أشرك فى وحدتـــــك
تخفى عن الـــــناس سنى طلعتك
وكل ما فى الـكون من صنعتـــــك
فأنت محـــلاه وأنت الــــــــــذى
تـــرى بديــع الصنع فى آيــتك
ياعالم الأســـــــرار علم الـــيقين
ياكاشف الضر عن البــــائسيــــن
ياقابل الأعـــــذار عدنـــا الى ظلك
فاقـــــــبل توبـــــة التائبيـــــــــن
و نظام الدين الاصفهاني الذي نظم ديوانًا في الدوبيت يتضمن ألف بيت من هذه الرباعيات .وكذلك كتب فيها الشاعر صفي الدين الحلي والذي يقول في رباعياته :
العيد أتـــى ومن تعشقت بعــــــــــــيد
ما العيش كذا لكن من عاش رغيد
ما اصنع بعد! منية القلب بعيد
من غازل غزلانا أو عاشر غيد وعلى العموم فالرباعية أو الدوبيت قالب شعري مستحدث مؤلف من أربعة مصاريع يسمى رباعية لكنه يمثل ايضا بيتين من الشعر لذا سمي بالدوبيت بحسب مايقال له بالفارسية . يراعي في المصراع الأول والثاني والرابع انتهاءه بقافية واحدة والثالث ربما يكون بقافية اخرى او بنفس القافية
ويقول الشاعر سلطان العاشقين شرف الدين بن الفارض:
نفسي لك زائرًا وفي الهجر فدا
إن كان فراقنا مع الصبح بًدا
يا مؤنس وحدتي إذا اليل هَدا
لا اسفرَ بعد ذاكَ صبحٌ ابــــــدا فتكون قافيته في الرباعية واحدة ويمكن ان تكون الثالثة على غير قافية وتسمى ( العرجاء ) مثال ذلك قول ابن الفارض اعلاه :
أهوى رشأليَ الأسى قد بعثا
ناديت وقد فكرت في خلقته
مذ عاينه تصبري ما لبثا
سبحانك ما خلقت هذا عبثا
وقد انتشر مؤخرا في السودان وهو ضرب شعري غنائي اشتهر به ابناء المناطق الزراعية في السودان ومنه هذه الرباعية :
الناس العلي الساحر بشقّوا الصيّ
أمسوا الليلة فوق راياً نجيض ما نيّ
ناس أب ترمة جاموس النحاس أب ديّ
عقدوا الشورة ميعادهم جبال كربيّ وربما جاء على شطر البيت الشعري وبنفس الامور اعلاه فيكون بيتين بيتين وهذا ما اكتسب التسمية من الفارسية اذ يقولون دوبيت لكل بيتين .
.
راجع كتابي ( الشعر العربي بين الحداثة والمعاصرة -)
.
امير البـــــيـــــــان العــــــــربي
د. فالح نصيـــــــــف الكيـــــلاني
العراق – ديالى – بلـــد روز
أضف تعليق