
عوالم النضال السياسي في رواية ( إينانا) ….للكاتب الفنان سالم الزيدي.
الناقد د.عباس الجبوري
تتميز الرواية عن غيرها من الأنواع السردية الأخرى بما لها من قدرات على التفاعل والتواصل والتكيف، مع ما يحيط بالإنسان من أوضاع متغيرة وظروف متقلبة، بحيث أن الرواية القصيرة خلال تاريخها استطاعت أن تحقق انجازات وقفزات عجزت عن تحقيقها غيرها من الروايات، فيما يتعلق بارتباطها وتشابكها مع واقعنا الاجتماعي المتأزم، فهي التي تحمل ما لهذا العالم من هموم وقضايا، وعواطف وحنين ، خاصة تلك المتعلقة بالصراعات السياسية والتفاوت الاجتماعي والاقتصادي، ودرجة الاستقرار وعدمه وغير ذلك، لأن حجم مساحتها وكذا طبيعتها المتفردة ووقعها السحري، وخصائصها وامكانياتها في التعمق ضمن تفصيلات الحياة، مكنت الكاتب سالم الزيدي من إقحام السياسة فيها بطرح قضايا حقيقية، تنكشف بموجبها العيوب والسلبيات وما يراد كشفه ، و( إينانا ) اتحدت وظيفتها الفنية الابداعية مع الوظيفة السياسة التي أراد الكاتب سالم الزيدي السعي الى توسيع دائرة الحق والعدالة من أجل تحسيس الفرد بقيمته في المجتمع، ونفض الغبار عليه، ولكن دون أن تتجرد من انتمائها الفني التعبيري والجمالي للأسطورة والعودة الى الأرض والحبيبة .

وظف الفنان الكاتب سالم الزيدي فن الرواية في مزايا
، ليس على انها تقتصر عن كونها مجرد جنس أدبي تعبيري !! ، ولكنها أفلحت في تفاعلها وتحددها في مساراتها عبر الأزمنة، ولا يخفى على أحد من الأدباء والمهتمين بالأدب والنقاد ، مدى استجابتها لتحديات الابداع والتطور ..
ابرز الأستاذ سالم الزيدي صورة التشخيص في السرد العربي، بمنجزه الجدبد ، سواء الروائي أو القصصي، الأسطوري والتعبيري في ربط الرواية بمنعطفات تاريخية مرحلية مليئة بالسرد والاحداث متأثراً بمرجعياته الفكرية العربية وعمقه الرافديني ، وارهاصات غسان كنفاني ، يلكون موجوداً دائما على الساحة الأدبية ،في رواية ( إينانا ) – القصيرة جداً- بصورة واضحة وغير رجراجة أو غائمة ، حتى يمكن باستطاعة الباحثين أو النقاد أن يتحدثوا عن العمق الموضوعي في عنونة الرواية ومضامينها التي تحمل إسم ( إينانا ) و -إنانا – أو نينا – وهي إلهة بلاد الرافدين القديمة المرتبطة بالحب والجمال والرغبة والخصوبة والحرب والعدالة والسلطة السياسية.. كانت تعبد في الأصل في سومر وعبدها لاحقًا الأكاديون والبابليون والآشوريون تحت اسم عشتار – كانت تُعرف باسم “ملكة السماء” ربة معبد إينا في مدينة الوركاء، والتي كانت لها مركز عبادة رئيسية. كان زوجها هو الإله دوموزيد (المعروف لاحقًا باسم تموز) …
اقترن اسم بطل الرواية بصفة تعبيرية مجسدا تسمية (مخلص ) بشكل منعش في الرواية العربية الحديثة بصورة المناضل السياسي أو المغترب الذي لم تغيره السنون والاحداث ليحافظ الكاتب على نهج النقاء الفكري متأثراً بمرجعياته العربية ، في صورة صافية ومريحة ومطمئنة لحضور الهدف الروائي في الحقل الأدبي نفسه .
عندما تناولنا قراءة هذا النص الرواىي القصير ،
لم تكن هناك ثمة وعورة أو خطورة المصطلح ودراسته وفق منطق نقدي وأكاديمي معقد بل استهدف الكاتب الوضوح والصراحة ،بل سماح بدخول عوامل ومكونات وعناصر أخرى في تكوين الصورة التي نبحث عنها للعامل في الرواية والقصة العربية ، وهذا يذكرنا بالكتَّاب عبد السلام العجيلي وغائب طعمة فرمان، وكذلك في قصص يوسف الشاروني وحسيب كيالي وغيرهم من الكتاب العرب .
انتهج الكاتب سالم الزيدي في السرد العربي الحديث طريقاً بين الأسطورة والرمز والحداثة ليذكينا ايضاً بالرواية التي ازدهرت في الأربعينات، ثم استمرت صعوداً وهبوطاً في الخمسينات والستينات من القرن الماضي . إلى بروز علاقات جديدة تجمع بين النخب المثقفة في المجتمع ولتكون مادة خصبة وثرية من العمل السياسي والحزبي والثقافي والفكري، وقد وجد هذا الحراك الثقافي والسياسي ترجمة له في الأدب المكتوب في الحقبة ذاتها . ليوحي الكاتب الى القاريء كان هناك نوع من التضامن الانساني والاجتماعي ، بين الوعي الفكري والسياسي الذي انتشر بين النخب المثقفة .
حيث يستدرجنا بافكاره لقراءة منجزه الأدبي لقراءة نصوصٍ شعرية ومسرحية وروائية وقصصية كثيرة من شساعة تجربته الأدبية ، وكأنه يقول (بات لدينا أدبٌ سياسي ونقد سياسي، وتسييس المسرح ) كما هو الحال في تجربة الراحل سعد الله ونوس في ما يراه، والقارئ في ما يقرأه .
هنا في رواية إينانا ، صار الأدب مسؤولاً ومطالباً بأن يكون صورة أو مرآة للواقع المعيوش، بل إن بعض الكتاب تعرضوا لحملاتٍ غير مسبوقة بسبب إهمالهم للواقع وما حدث لمخلص ويحدث لغيره في المجتمع ، وهذا ليس جديدا ما قدمه الكاتب في روائع كتاباته ، ليضع الكاتب أو المثقف العربي أمام امتحان الأيديولوجيا التي يحملها في وعيه وكيفية ظهور معتقداته الفكرية والانسانية داخل نصوصه وكتاباته .
والصور التي شكلها الكاتب في هذه الرواية ، على ان مخلص ضحية وموضع لارتكاب المظالم في الوقت نفسه، وهو ما ركز عليه بوضوح فكري في الرحلة والتي يجسد فيها إلى حد بعيد سيرته الذاتية، بطل رحلة الغربة من لحم ودم، حيث يبرز بوضوح الجانب الإنساني الذي يتراوح بين الإقدام والإحجام، والجبن والخوف، بل إن الراوي مخلص يكاد يدين نفسه في بعض المواقف، ويظهر الشخصية الإنسانية النمطية والتي يمكن التعرف إليها من خلال عالم داخلي خصب وخارجي ملموس واضح المعالم والسمات، كما أنها تقدم الشخصية التي تشير إلى مثيلاتها خارج الرواية، ومن هنا قدم لنا سالم الزيدي شخصية واقعية بشكلها الرمزي بالمعنى الكامل للمفردة والكلمة من خلال الشخصية الروائية بكل احلامها وإحباطاتها، كما قدم أيضاً نسقاً ملحمياً خفياً، فالشخصية في حالة صراع دائم، ورغم أنها لا تخرج دائما منتصرة من هذا الصراع إلا أن حالتي الترقب والتوتر تكتنفها من بدايتها لنهايتها .

الناقد د.عباس الجبوري
أضف تعليق