المسرح والثورة، في ذكرى انتفاضة الشعب العراقي ١٩٩١ ..

المسرح والثورة
في ذكرى انتفاضة الشعب العراقي ١٩٩١ ..


ليث عبد الغني


على الرغم من القمع الوحشي الذي مارسته السلطة البعثية الفاشية، استطاع الكثير من المعلمين الوطنيين في العراق أن يزرعوا في نفوس الشباب بذور الثورة. كانوا أكثر من مجرد معلمين؛ كانوا قادة ذوي رؤية، عرفوا كيف يعبرون عن المظالم الاجتماعية والسياسية باستخدام الأدوات التربوية والفنية، في مدارسهم وداخل قاعات الجامعة، كانت العقول الشابة تتفتح على أفكار جديدة، وتجربة مشاعر لم تُسمح لها بالتعبير عن نفسها في الأماكن العامة. هؤلاء المعلمون ليسوا فقط من حوّلوا المسرح إلى مساحة احتجاجية، بل كانوا المصدر الرئيسي للمقاومة الفكرية التي تحدت استبداد النظام.

كما قال أوغستو بوال، المسرح يمكن أن يكون تمرينًا على الثورة، ولا شك أن هذا التمرين كان حاضرًا في أذهان الشباب العراقيين. فالمسرح لم يكن مجرد وسيلة للترفيه، بل كان مساحة لتحفيز التفكير النقدي، وتنمية، وعيهم الاجتماعي، والسياسي. كان عرض “الفيل يا ملك الزمان” على سبيل المثال للمخرج الشاب حينها احمد عباس الصالح مع زملاءه في كلية الزراعة عام ١٩٨٢ نموذجًا لهذا التأثير، حيث تمكّن هؤلاء الشباب من التعرف على الطغيان والاستبداد بطريقة رمزية واحتجاجية، لكن من خلال فن لا يُقهر، شهد الشباب قمعًا وحرمانًا مستمرًا، لكنهم لم يتوقفوا عن الحلم بالتغيير. في صدورهم كانت تدور أحلام كبيرة لا تحصيها الكلمات. حلم الثورة لم يكن مجرد فكرة عابرة، بل كان جزءًا من هويتهم ووجودهم اليومي. عندما تقابلت هذه الرغبة في التغيير مع تضحيات بعض المعلمين والمعارضين الوطنيين الذين زرعوا هذه الروح فيهم، أصبح هؤلاء الشباب القوة الحقيقية التي كانت في مواجهة السلطة.

بينما كانت السلطة تمارس سياستها القمعية بكل الوسائل، كانت هذه الأجيال الجديدة، المفعمة بالأمل والحلم، تمثل التحدي الأكبر. لقد أرادوا أن يتعلموا أن الحرية ليست مجرد حق، بل هي تجربة يومية، مليئة بالنضال، وهي ما جعلتهم أكثر قوة من النظام الذي حاول سحق أحلامهم. هذه القوة التي زرعها المعلمون الوطنيون، والذاكرة الجمالية التي نقلتها إليهم عروض المسرح، كانت البداية لثورة عقلية وشعورية لا تقتصر على المدى القريب، بل تنامت في أجيال المستقبل.

وفي النهاية، نستطيع القول إن النظام القمعي الذي حاول تقييد الأفكار والأحلام لم يكن أقوى من أولئك المعلمين الذين زرعوا روح الثورة في النفوس. كانت هذه الثورة تتغذى من الخيال، من الفن، من المسرح، من الذاكرة الجماعية التي ظلّت حية رغم محاولات محوها. بفضل هؤلاء المعلمين والمسرحيين، كان الجيل الجديد على استعداد دائمًا للثورة على القيود، بغض النظر عن الصعوبات التي واجهها.
أن الثورة لا تولد من التحريض وحده، ولا تنفجر لمجرد أن تُضخ فيها الشعارات أو تُنقل عبر الإعلام؛ فالثورات التي تُبنى على الضغط اللحظي دون جذر من الوعي، سرعان ما تخفت، كالبالونة التي تفرغ فجأة من الهواء. أما الثورة الأصيلة، فهي التي تُزرع على مهل، داخل النفس، بالتجربة اليومية، وبالأسئلة التي لا تجد أجوبة، وبالتمارين الصغيرة التي تمنح الإنسان إحساسًا جديدًا بكرامته وصوته وقيمته.

وهذا ما حدث تمامًا في انتفاضة 1991. لم تكن تلك اللحظة المجيدة وليدة ساعة غضب، بل ثمرة طويلة الأمد لوعي ظل يتراكم بصمت خلف الجدران، في المدارس، في البيوت الفقيرة، في السجون، وفي الهمسات بين الأصدقاء. لقد كانت مشاهد الاعتقالات والإعدامات اليومية، وصور التوابيت المغلقة التي تُحمَل في صمت، تزرع غضبًا داخليًا، وتوقًا للخلاص، لا من النظام فقط، بل من الإذلال المتكرر، من الصمت المفروض، ومن الخوف المزروع في العيون.

في قلب هذا البناء البطيء للوعي، لعب المسرح التربوي دورًا لا يُستهان به. لم يكن الخشبة مجرد مكان للتمثيل، بل مساحة للتمرين على الحياة الحرة. معلمو المسرح الواعون في الجنوب كانوا بمثابة منقّبي الوعي؛ يُطلقون شرارة السؤال، يُشجعون على الوقوف، على المواجهة، على اللعب كطريقة لاكتشاف الذات، وعلى التعبير كوسيلة لمقاومة الصمت. في هذه التمارين البسيطة، كان يُعاد تشكيل الإنسان، وتدريبه على الثورة، لا بوصفها صراعًا دمويًا، بل كحق في أن يكون مرئيًا، مسموعًا، حرًا.

الحرية ليست ما يُعطى، بل ما يُنتزع. وهي فعل خَلق يبدأ من الوعي.”
— جان بول سارتر

لقد علمتنا انتفاضة 1991 أن الخلاص يبدأ من الداخل، من تلك اللحظة التي نكسر فيها جدار الخوف في دواخلنا، وأن الثورة تبدأ حيث ينكسر الصمت لأول مرة.

“إن التمرّد الحقيقي لا يمكن أن ينبثق إلا من عملية تحرير النفس، من إدراك الإنسان لاضطهاده، ومن وعيه بقدرته على أن يغيّر العالم.”
ـ باولو فريري، تربية المقهورين

أضف تعليق