
محمد الضمداوي… حين تصبح الضيافة ثقافة .
ليث عبد الغني
رجلٌ يحمل الثقافة في حقيبته، ويودّع ضيوفه بكلمة أصدق من الضيافة…
يجرّ حقيبته التي يضع فيها بقايا ضيافة الأمسية: بعض الشاي، وعلبة قهوة، وقليل من المعجنات. تئنّ الحقيبة خلفه، وكأنّها تروي قصص الأمسية في كل خطوة، تسحبها يده بإصرار، كما يسحب الذاكرة المثقلة بالتفاصيل. أسير خلفه، أراقب المشهد بصمتٍ، وكأنّ الزمن يعيد نفسه، وتغزو الذاكرة صورًا كانت حينها تشبع الروح: شراء المعجنات والعصائر والشاي، وكل تلك التفاصيل الصغيرة التي كانت تعني لي الكثير حين كنت أُقدّمها لضيوف نادينا الثقافي.

أذكر أن أحدهم قال لي ذات مساء، بنبرة مازحة: “نادِيكم بخيل، لا يقدّم لنا ضيافة تليق بنا”.
أضحك وأقول: “بل نادينا ثريّ، لأنه يُقدّم لكم زادًا ثقافيًا دسمًا، أثمن من أي ضيافة”.
يعود بي المشهد إلى الأخ الأستاذ محمد الضمداوي، ذلك الرجل الذي يحمل على عاتقه تنظيم أمسيات منتدى الرافدين في أوسلو، بصبرٍ وكرمٍ لا يُضاهى. لا يقدّم الضيافة فحسب، بل يزرع المعنى في كل تفصيل، ويُهيّئ المناخ الثقافي كما يهيّئ المضيف الكريم بيته لاستقبال الأحبّة. يفتح باب القاعة، لا بيديه فحسب، بل بقلبه، ليقدم لنا المعرفة كضيافة لا تقل دفئًا عن فنجان الشاي. وكل كلمة منه، وكل لحظة، كأنها دعوة للغوص في بحر الثقافة، دون أن نشعر بنهاية الأمسية أو بداية الفراق.

وفي ختام تلك الأمسية، يودّعنا بتحيةٍ نابعة من الصدق… تحية تنبض بالحب والتقدير، تُحاكي معاني العطاء والتواصل التي لا تكلّف شيئًا، بل تكشف كل شيء.
ولكن، مع تلك الطيبة، هنالك واقعٌ آخر يراهن عليه الزمن. المنتديات الثقافية، مثل منتدى الرافدين، تظهر في عالمنا المعاصر وكأنها جزيرة صغيرة وسط محيط من العولمة السريعة والمتزايدة. في زمنٍ حيث يسحبنا العالم الافتراضي في دوامة من الترفيه السريع، تبدو هذه المنتديات وكأنها تفتقر إلى جذب الأجيال الشابة التي اختارت منصات التواصل الاجتماعي كمساحة للتفاعل والتعبير. يتراجع الحضور، ويظهر الشباب وكأنهم على بعد خطوات من هذه الأمسيات الثقافية التي لا تواكب الإيقاع السريع لعالمهم.

ومع ذلك، تظل هذه المنتديات، رغم خفوتها أحيانًا، صرحًا حيًا يرفض أن يذوب في عالم العولمة. هي أكثر من مجرد تجمعات ثقافية؛ هي روح الوطن المتنقلة، وهي جسور بين الأجيال لتظل الهوية الثقافية باقية، على الرغم من الهجمات المتتالية من كل اتجاه. في عالم يزداد فيه التعدد الثقافي والتنوع، لا تزال هذه المنتديات بمثابة المعين الذي يستقي منه المهاجرون وذوو الأصول الثقافية المختلفة ماءً صافياً، يروي ضمأ الهوية الوطنية في زمن متسارع.

ورغم صعوبة المهمة، ورغم تراجع الاهتمام، تبقى هذه المنتديات الحارس الأمين على الثقافة، ورمزًا للثبات في مواجهة التغيرات. كما هو الحال مع الأستاذ محمد الضمداوي والمغتربين الآخرين الذين يزرعون بذور الثقافة في قلوبنا، حتى وإن كانت الأرض قاحلة، فإن الأمل في استمرارية هذه المسيرة يظل باقياً، كما يظل الشاي دافئًا في أكوابنا، والأحاديث الثقافية حية في قلوبنا.




أضف تعليق