
كنيسة سيدة النجاة
حين صلّى الدمُ بدل الأجراس :
في قصيدة : ” الحزن الجميل “
الشاعرة : د. وفاء عبد الرزاق – لندن
الناقد د.عبدالكريم الحلو – العراق
القصيدة :
الحزنُ الجميل
الموتُ على الشرفةِ غابةٌ وقحطُ أفئدة
يا رائحةَ الكنائسِ
ورأفةَ الشموع،
القلوبُ معلَّقةٌ برياحِ الحُزن
تطردُ الأذى الصمغ
فانظري لتلك المرأةِ
التي أوقدتْ قلبَها للدعاء.
أيها الإلهُ الغافي على نشيدِ الأعمدة
سرقوكَ منكَ
وباسمِ المنشارِ الأعمى
حصدوا الرقاب.
أيها الإلهُ المتوَّجُ بوهمِنا
أنرْ قلبَك
إلى التي بكى نهرُها
في راحتيكَ
واهتزَّ مثرثرًا:
سلامٌ سلامٌ
سلامٌ سلام.
أيتها السكينةُ الراجفةُ
أيها الضوءُ المترددُ في الهطول
هبْها عابرًا
يجمعُ تيهَها
ويأتي بالمسك.
القارورةُ سلامٌ
والعطرُ غيبتهُ الرذائلُ
أتأتي حقًّا
إلى مَن قاد الرمادُ
عطرَها لهيبتِك؟
كانت فجرًا
يُطلق موعدَهُ
ويتعثَّر.
الشارعُ حسينيُّ الصوت
أنساها حُسنَها
في قارعاتِ الطبول
واستطالتِ الأفضيةُ السود.
أيها الإلهُ المذهَّبُ بالنور
الدهرُ عقربٌ
والأشبارُ لا تقترب
خذ يقظةَ المجانين
وعبِّئ الأشجارَ
بشهيقِ الروح
كي لا تسقطَ العصافير.
لنخدع لغةَ جُرحٍ مفتوح
الأطفالُ يحومون حول الحُلم
والمستنقعاتُ تهندسُ براحتِها الأيام
وتُغطسُ الصرخةَ بالأوحال.
أيها الإلهُ العاشقُ للتأويل
ترفَّق بأصابعِ الأطفال
دعها ترسمُ بهجةَ خطواتِهم
فبيتُهم القصبيُّ يرطنُ:
حسين … يا حسين ..يا… يا
المتشابكُ بالدعاء
أورثتنا الهدايا كهفَها
وأضحيةَ التركات
يحقُّ للطفلةِ أن تتنفسَ
فلماذا يُكبَّلُها الهواء؟
أوقدتُ لها ماءَ المرايا
وللدوالي آنيةً من فضة.
أدرْ القدحَ
ثمةَ عطبٌ في الرأس
والرئةِ النافذة،
ثمةَ مَن يقيسُ الكارثةَ بالصوت
ثمةَ أطفالٌ للدهشة
وثمةَ مَن أعطى لنفسهِ
حقَّ خنقِ الزهر.
أيها الإلهُ الجميل
كيف ترضى أن يلبسَ وجهَك القبحُ
ويدنسَ ربوبيتَك؟
يا ربَّ الدمعةِ والنطفة
الرمادُ خطوتُنا الممزقة
والحُلمُ فضيحةُ الخرائط
الأجسادُ التي تطايرت
لها أجنحةُ الموج
وبهاءُ الزرقة..
أرني ساعتَك
فقد عطبَ قلبٌ
ولا يصلحُ للنبض.
أيها الإلهُ البهيّ
أطالَ الشيطانُ لحيتَهُ
وشربَ الأدعيةَ
فأسكنِّي قلبَك
ليس لي إقامةٌ
في اللغةِ اللغز
أيها العرشُ الجليل
أمِنَ المصادفةِ
ألّا يأتي نبيُّ المرحلة؟
ها قد تجمَّر النسيمُ
السكونُ اتَّقد
وحان وقتُ الصاعقة.
التجربة الإنسانية من قلب الكارثة:
الشاعرة د. وفاء عبدالرزاق
بيت الرثاء والقصيد هنا هو :
حادثة كنيسة سيدة النجاة :
تفجير بغداد ، هي واحدة من أبشع الجرائم الإرهابية في العالم وفي تاريخ العراق الحديث، وقعت يوم الأحد 31 تشرين الأول / أكتوبر 2010 في كنيسة سيدة النجاة (كنيسة سيدة الخلاص) التابعة للسريان الكاثوليك، في منطقة الكرادة – بغداد.
تفاصيل الحادثة:
اقتحم مسلحون تابعون لتنظيم القاعدة في العراق الكنيسة أثناء إقامة قدّاس مسائي.
احتجزوا المصلّين رهائن، ثم فجّروا أحزمة ناسفة داخل الكنيسة.
أعقب ذلك اقتحام أمني لتحرير الرهائن.
استُشهد أكثر من 58 شخصًا، بينهم:
كهنة ، نساء وأطفال ، مصلّون مدنيون وأُصيب العشرات بجروح خطيرة.
الدلالة الرمزية والإنسانية :
شكّلت الحادثة جرحًا عميقًا في الوجدان العراقي، واستهدافًا مباشرًا للتنوّع الديني والتعايش ، كانت نقطة تحوّل مؤلمة أدّت إلى تسارع هجرة المسيحيين العراقيين.
عُدّت جريمة ضد الإنسانية وحرية العبادة.
القراءة النقدية هنا مزدوجة العدسة:
———————————-
العدسة الجمالية :
تفكك بنية الخطاب،
والعدسة النفسية :
تُنصت إلى ما يتسرّب من الوجدان
الانساني خلف اللغة.
في زمنٍ يتكاثر فيه الضجيج حتى يفقد صوته، وتغدو المأساة خبزًا يوميًا على موائد الأخبار، تأتي هذه القصيدة كمن يفتح نافذةً في جدار العتمة، لا ليدخل الضوء كاملًا، بل لنتأكد أن القلب ما زال حيًّا وقادرًا على الوجع.
هنا لا يُكتب الحزن بوصفه حالة عابرة،
بل يُستدعى ككائنٍ واعٍ، جميلٍ في قسوته، لأنه يرفض أن يتحول الألم إلى عادة، أو الدم إلى رقم.
« الحزن الجميل» : ليست قصيدة تُقرأ، بل تجربة تُعاش. هي مشهد إنساني متشابك، تتداخل فيه المناجاة بالاحتجاج، والبراءة بالفجيعة، والطفولة بوصفها سؤالًا أخلاقيًا مفتوحًا في وجه عالمٍ فقد مبرراته في هذا النص .
هنا تتحول اللغة إلى ملجأ أخير، وإلى ساحة مواجهة في آنٍ واحد؛ لغةٌ تتكسر كي تقول، وتتلعثم كي لا تكذب، وتصرّ على البوح لأن الصمت صار شريكًا في الجريمة.
كل صورة هنا تنبض بجرحٍ جماعي، وكل نداء يختزن خوف أمّ، وصلاة طفل، وذهول مدينةٍ تتعلم كيفإنها قصيدة تُكتب من قلب الكارثة، لكنها لا تستسلم لها؛ قصيدة تعرف أن الحزن حين يُقال بصدق، يصبح فعل مقاومة، وأن الجمال، حتى وهو يرتجف، يمكن أن يكون آخر أشكال النجاة.
أولاً:
القراءة النقدية الأكاديمية :
( ١ )
بنية الخطاب والاشتغال الرمزي :
قصيدة «الحزن الجميل» نصّ طويل النفس، ينتمي إلى قصيدة الرؤيا لا قصيدة اللحظة ، هي ليست بكاءً شعريًا مباشرًا، بل مناجاة كونية تتكئ على تكرار النداء: «أيها الإله…»، بوصفه محورًا دلاليًا تتقاطع عنده الأسئلة الوجودية، والكارثة التاريخية، والبراءة المهدورة .
اللغة هنا مشحونة سيميائياً :
الإله: ليس كيانًا لاهوتيًا فقط، بل ضمير العالم الغائب.
الأطفال: مركز البراءة والفضيحة الأخلاقية للواقع.
الشرفة، الكنائس، الطبول الحسينية: تداخل طقوسي عابر للأديان، يؤكد أن الألم إنساني لا طائفي.
القصيدة لا تسرد، بل تراكم صورًا صادمة، تعمل وفق منطق الحلم والكابوس، حيث :
الدهرُ عقربٌ
والأشبارُ لا تقترب
زمن سامّ، ومسافة لا تُقاس
- وهذه من أعلى درجات التكثيف الدلالي.
( ٢ )
الإيقاع الداخلي واللغة :
لا تعتمد القصيدة على موسيقى خارجية، بل على :
- تكرار النداء
- التضاد (الضوء – الرماد – الحلم-المستنقع – الجمال-القبح
- الانكسار النحوي المتعمّد الذي يعكس تشظّي المعنى.
- اللغة هنا ليست أداة تواصل،
- بل حقل صراع :
” ليس لي إقامة في اللغة اللغز” - وهو تصريح ميتاشعري بالغ الخطورة والجمال: الشاعرة تعترف بعجز اللغة، لكنها تستمر في الكتابة، لأن الصمت أشد فتكًا.
ثانيًا :
القراءة النفسية
(التحليل النفسي للنص)
( ١ )
القصيدة كعرض نفسي جمعي
من منظور علم النفس، النص يُقرأ بوصفه تفريغًا لصدمة جماعية
الأطفال، الأجساد المتطايرة، الرماد، الصاعقة… كلها مؤشرات على:
- قلق وجودي مزم
- شعور بالعجز أمام العنف
- فقدان الثقة بالمعنى وبالزمن
لكن اللافت أن الشاعرة لا تسقط في الاكتئاب المرضي، بل تحوّل الألم إلى وعي أخلاقي.
( ٢ )
مناجاة الإله: بين الإيمان والاحتجاج
في علم النفس الديني، هذا النوع من الخطاب يُسمّى:
الاحتجاج الإيماني (Protest Faith)
هي لا تنكر الإله، بل:
• تُعاتبه
• تُواجهه
• تطالبه بالتدخل
” كيف ترضى أن يلبس وجهك القبح؟”
هذا ليس شكًّا مرضيًا، بل محاولة لإنقاذ صورة الخير من الانهيار النفسي.
( ٣ )
الأطفال: مركز الجرح
الطفل في القصيدة هو الأنا الجريحة:
يحق للطفلة أن تتنفس
فلماذا يكبّلها الهواء؟
سؤال نفسي عميق:
حين يصبح حتى الهواء أداة قمع، فنحن أمام اختناق وجودي لا مجرد ألم عابر.
خلاصة القول :
حهذه القصيدة نصّ عالي الوعي، لا يكتب من موقع الانفعال اللحظي، بل من وعي مأساوي ناضج.
وفاء عبد الرزاق لا تكتب عن الحزن، بل تُعيد تعريفه بوصفه:
وعيًا أخلاقيًا، وصرخة ضد اعتياد القبح، ومحاولة أخيرة لإنقاذ البراءة.
والله لو كنت طبيبًا نفسيًا، لقلت: هذه كتابة علاجية، لكن علاجها موجَّه للعالم، لا للضحايا .
نحن أمام نصّ ينجح في تحويل الكارثة إلى لغة، دون أن يجمّل الجريمة أو يزيّف الألم.
وهذا هو جوهر الحزن الجميل: أن يبقى الإنسان إنسانًا، حتى وهو يكتب من حافة الصاعقة.
خاتمة :
في مساءٍ بغداديٍّ خافت، كانت الشموع تتهيأ لتكملة صلاتها، وكانت الكلمات تصعد ببطءٍ نحو السماء ، حين قرّر الموت أن يقتحم بيت الله بهمجية الوحوش.
في كنيسة سيدة النجاة ، لم يكن المصلّون يبحثون عن معجزة، كانوا فقط يريدون أن ينجوا من ضجيج العالم ، بسكون صلاة أو ترانيم محبه.
لكن الرصاص لا يفهم الصلوات، والتفجير لا يميّز بين كفٍّ مرفوعةٍ للدعاء وقلبٍ وديعٍ
يتعلّم الحبّ.
في تلك الليلة ، لم تُفجَّر كنيسة فقط،
بل انكسرت فكرة الأمان.
في قلب بغداد ، سقطت الأجراس،
وارتفعت أسماء الشهداء ، أعلى من القباب.
كان الدمُ مسيحيًا في شكله، لكن وجعه كان عراقيًا خالصًا. كان الألم يتكلّم كل اللغات،
ويفضح كذبة الإرهاب حين يدّعي أنه يعرف الله.
منذ ذلك اليوم ، صار للصلاة في العراق
طعمُ خوفٍ إضافي، وصار للذاكرة جرحٌ
لا يندمل بسهولة.
كنيسة سيدة النجاة ، لم تكن مكانًا،
كانت امتحانًا للإنسانية.
سلام على الشهداء
سلامٌ على أرواحهم
سلامٌ على العراق
حين كان يصلي معًا
قبل أن يتعلّم
كيف يُذبح منفردًا.

أضف تعليق