
العقوبات الأميركية… سلاح لتدمير الدول وصناعة الأنظمة الفاشلة .
عامر جاسم العيداني
لم تعد الحروب اليوم تبدأ دائما بالقصف والجيوش حيث هناك حرب أكثر خبثا تدار بصمت منها حرب العقوبات الاقتصادية وتجويع الشعوب لإسقاط أنظمة لا تنسجم مع الإرادة الأميركية.
هذا ما تفعله واشنطن منذ عقود ، حصار مالي، تجميد أموال، خنق اقتصادي، منع تصدير النفط، دعم معارضات داخلية، وصولا إلى محاولات انقلاب أو تدخل عسكري مباشر والنتيجة دائماً واحدة دول منهكة، شعوب جائعة، وأنظمة أكثر تشددا.
ان الخطاب الأميركي يرفع شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان لكن المعيار الحقيقي أبسط من ذلك بكثير حيث الولاء للمصالح الأميركية وحلفائها. فكم من نظام سلطوي حليف لم يمس بسوء بينما تعاقب دول أخرى فقط لأنها رفضت الخضوع، والمفارقة الكبرى أن العقوبات التي يفترض أنها تسقط الدكتاتوريات هي في الواقع من يصنعها.
فعندما تحاصر دولة اقتصاديا وتخنق مواردها يتحول هدف السلطة من بناء البلاد إلى مجرد البقاء في الحكم وتتقلص الحريات وتقمع الاحتجاجات وتتحول الدولة إلى جهاز أمني يدافع عن وجوده. وفي ظل الاقتصاد المحاصر يزدهر الفساد والأسواق السوداء والتهريب فتدمر المؤسسات ويعاقب المواطن مرتين مرة بالحصار ومرة بسوء الإدارة.
هكذا تدخل البلدان في حلقة جهنمية من حصار خارجي يولد أزمات داخلية والأزمات تواجَه بالقمع والقمع يستخدم ذريعة لمزيد من الحصار.
فنزويلا اليوم مثال صارخ على هذه السياسة، سنوات من الخنق الاقتصادي وتجميد لثروات الشعب ومحاولات عزل دولي ودعم علني للمعارضة بل ومحاولات لإسقاط السلطة بالقوة. وما الذي نتج عن ذلك؟ لا ديمقراطية ولا استقرار بل بلد مستنزف وصراع مفتوح يدفع ثمنه المواطن الفنزويلي وحده.
والعراق مثال آخر لا يقل وضوحا فبعد سنوات طويلة من الحصار في التسعينيات جرى تدمير الاقتصاد العراقي بالكامل تحت شعار “إضعاف النظام”.
وكان الهدف المعلن إسقاط الدكتاتورية لكن النتيجة الحقيقية كانت مجتمعا منهكا وبنية تحتية مدمرة وجيلا كاملا دفع ثمن عقوبات لم تسقط الحاكم بل أسقطت الدولة نفسها.
ثم جاء الغزو عام 2003 تحت لافتة نشر الديمقراطية فإذا بالعراق يتحول إلى ساحة فوضى وانقسامات وصراعات طائفية وفساد ممنهج ، حلت مؤسسات الدولة وتفكك الجيش وانهار الأمن وبدلا من بناء نموذج ديمقراطي ولد نظام سياسي هش تحكمه المحاصصة والتبعية والضغوط الخارجية.
واليوم وبعد أكثر من عقدين ما زال العراق يدفع ثمن تلك السياسات من اقتصاد ريعي مقيد وسيادة منقوصة وأزمات متلاحقة وبلد غني يعيش غالبية شعبه في القلق والفقر والبطالة. هكذا صنعت الديمقراطية التي بشرت بها واشنطن دولة ضعيفة ومجتمع متعب واستقرار مفقود.
التجربتان في فنزويلا والعراق تؤكدان حقيقة واحدة ان
العقوبات والحصار والتدخلات الخارجية لا تبني أوطانا بل تحطمها.
ولا أحد ينكر أن كثيرا من الأنظمة المستهدفة تعاني من الفساد وسوء الإدارة لكن السؤال الجوهري يظل قائما
هل يمكن لبلد محاصر ومجوع أن يبني ديمقراطية حقيقية؟
وهل يستحق تغيير الأنظمة تدمير الدول والمجتمعات؟
التجارب أثبتت أن الضغط الخارجي لا ينتج إصلاحا بل استبدادا أشد قسوة. فالشعوب لا تتحرر عبر الجوع بل عبر الاستقرار والتنمية والإرادة الوطنية الحرة.
ان الحقيقة التي ترفض واشنطن الاعتراف بها ان الديمقراطية لا تفرض بالعقوبات ولا تبنى بتجويع الأطفال وخنق الاقتصادات.
وان تغيير الأنظمة بالقوة أو الحصار ليس سوى شكل آخر من أشكال الاحتلال المقنع وأخطر ما في هذه السياسات أنها لا تكتفي بإسقاط الحكومات بل تسقط معها أوطانا بأكملها.
وعندما تستخدم لقمة عيش الشعوب كسلاح سياسي يصبح الحديث عن حقوق الإنسان مجرد شعار أجوف
والديمقراطية لا تصدر بالطائرات ولا بالعقوبات،
بل تبنى من الداخل حين يرفع الحصار وتحترم سيادة الدول وتترك الشعوب تقرر مصيرها بنفسها.

أضف تعليق