الأبناء .. بحاجة للحماية والوعي قبل المال…

الأبناء .. بحاجة للحماية والوعي قبل المال…

زينب سالم

الاستثمار الحقيقي في الأبناء لا يقاس بما تضعه في أيديهم بل بما تزرعه في قلوبهم وعقولهم الأبناء ليسوا مشروع مؤجل الربح بل مسؤولية يومية تتراكم نتائجها بصمت حتى تظهر فجأة في مواقف حاسمة قد تنشغل الدنيا بنا وتضيق الأيام وتثقل الأعباء لكن الطفل لا يفهم لغة الأعذار هو يفهم فقط كيف يشعر داخل بيته هل هو آمن أم مهدد مسموع أم مهمل محبوب كما هو أم مرفوض بالمقارنة أخطر ما يمكن أن نقدمه للأبناء دون أن نشعر هو التفرقة . فالتفضيل لا يربك العلاقة بين الإخوة فقط بل يهدم الثقة داخلهم ويزرع فيهم شعور دائم بالنقص أو الغضب أو الحقد الصامت العدل لا يعني التشابه بل الفهم أن نعرف أن لكل إبن طبيعته واحتياجاته وأن الحب لا يقاس بالصوت العالي ولا بالعطاء المادي بل بالإنصات الحقيقي والاحتواء الصادق وفي زمن تتكاثر فيه الجرائم ويصبح الخطر أقرب مما نتصور صار واجب أن نحميهم بالوعي قبل أي شيء حماية الأطفال من التحرش لا تبدأ بالخوف بل بالمعرفة بأن نعلمهم منذ الصغر أن أجسادهم ملك لهم وأن هناك حدود لا يحق لأي أحد تجاوزها مهما كانت صفته أو قربه وأن نزرع فيهم الشجاعة لقول لا والثقة ليتكلموا دون خوف أو تهديد أو لوم الطفل الذي يعرف أن بيته حصن صلب لن يصمت إن تعرض للأذى أما الطفل الذي يخشى العقاب أو الشك أو التقليل فسيختار الصمت والصمت هنا أخطر من الجريمة نفسها علينا أن نصدقهم أن نستمع إليهم دون تحقيق وأن نفهم منهم دون تهوين وفي مواجهة العنف والقتل والاغتصاب والإهمال أو أي كارثة لا نحمي الأطفال بالعزلة التامة ولا بزرع الرعب في قلوبهم بل نحصنهم بالوعي نعلمهم كيف يميزون الخطر وكيف يطلبون المساعدة وكيف يثقون بحدسهم إذا شعروا بعدم الارتياح نراقب دون خنق ونتابع دون اقتحام ونكون قريبين دون أن نكسر مساحتهم الإنسانية الأيام الصعبة لا تبرر القسوة والضغوط لا تبرر الإهمال فالأبناء لا يحتاجون آباء كاملين بل آباء حاضرين حضورك النفسي أهم من وجودك الجسدي وكلمتك الهادئة أهم من صراخك واحتواءك في لحظة ضعف قد ينقذهم من سنوات ألم ولا يقل خطر عن كل ما سبق الغياب الطويل الذي يبرره البعض بإسم السعي وراء المال أن يترك الأب أو الأم الأطفال لسنوات تحت شعار أحقق لهم مستقبلا ثري لكي لايحتاجون بينما يتركون فعليا بلا ظهر بلا عين تراقب وبلا قلب يحتوي . المال قد يوفر بيت أوسع لكنه لا يحميهم من خوفهم ليلا ولا يمنع يد أثمة من الاقتراب ولا يعوض غياب كلمة أنا هنا الأطفال الذين يكبرون دون وجود حقيقي لآبائهم لا يخسرون شخص فقط بل يخسرون الإحساس بالأمان والقدرة على التمييز بين من يستحق الثقة ومن يستغل الفراغ الغياب لا يترك فراغ بسيط بل يخلق مساحة يتسلل منها الخطر ويملؤها الغرباء وأحيانا يملؤها أسوأ ما في البشر ليس كل سفر جريمة لكن الجريمة أن يتحول الغياب إلى عادة وأن يترك الطفل تحت رحمة الشاشات أو السوشيال ميديا أو الخدم أو الأقارب أو الشارع دون رقابة حقيقية أو تواصل صادق وفي كثير من القصص المؤلمة كان الإهمال الباب الأول لكل كارثة مثل الحريق أو تسرب غاز أو سقوط من النوافذ المرتفعة أو تحرش جسدي أو لفظي لم يكتشف مبكرا . عنف لم يلاحظ خوف لم يسأل عنه وبكاء صامت ظنه الكبار دلع الإهمال ليس فقط أن تترك الطفل جائع بل أن تتركه بلا حماية بلا متابعة بلا احتواء وبلا من يلجأ إليه إن خاف علينا أن نفهم أن التربية ليست مرحلة بل حضور مستمر وأن أبناؤنا لا يتذكرون كم عملنا لأجلهم بل يتذكرون هل كنا معهم حين إحتاجوا الينا أن أخطر ما قد نورثه لهم ليس الفقر بل الوحدة وليس قلة المال بل قلة الاهتمام الأيام الصعبة تحتاج آباء أقوياء بالوعي لا بالقسوة حاضرين لا غائبين عادلين لا مفضلين يسمعون أكثر مما يأمرون ويحمون أكثر مما يعاقبون فالعالم بالخارج قاس بما يكفي ولا يجوز أن يكون البيت امتدادا لهذه القسوة استثمارك الحقيقي أن يخرج الأبناء إلى الحياة وهم أقوياء من الداخل يعرفون قيمتهم ويدركون أن الحب بوعي وعدل ورحمة هم الحصاد الوحيد الذي لا يخيب وهم الأثر الذي يبقى حين تتغير كل الأشياء وكل ما عداه تفاصيل تزول في النهاية لا يسأل الأبناء كم جمعت لهم بل أين كنت حين خافوا المال يعوض لكن الابناء و الحصن الذي نبنيه لهم يظل لا يكسر من الغياب أو الإهمال من يتركهم وحيدين يراهن على صمتهم بينما الواجب أن يكون حضوره حصنهم وصوتهم ودرعهم لا يؤلم وأن الأمان حق وليس منة وأن هناك من يحميهم لا من يخيفهم ومن يصدقهم لا من يشكك فيهم

أضف تعليق