المدارس واقع خانق يحتاج قرارا سياسيا جريئا .

المدارس واقع خانق يحتاج قرارا سياسيا جريئا .


عامر جاسم العيداني

أزمة التعليم في العراق لم تعد شأنا خدميا يمكن تجاوزه بالمعالجات الموضعية بل تحولت إلى ملف وطني خطير يهدد مستقبل جيل كامل فالمشهد ذاته يتكرر كل عام مدارس كرفانية أشبه بحاويات معدنية تفتقر لأبسط مقومات البيئة التعليمية وصفوف مكتظة تعمل بنظام الدوام الثنائي والثلاثي ومعاناة تبدأ من الطالب ولا تنتهي عند إدارة المدرسة أو الأسرة التي تدرك تماما أن أبناءها يتلقون تعليما ناقصا لا يلبي الحد الأدنى من الجودة.

المدارس الكرفانية التي جاءت حلا مؤقتا قبل سنوات أصبحت اليوم جزءا من واقع دائم ففي داخل تلك الجدران المعدنية يعيش الطلبة في بيئة خانقة صيفا وبالغة البرودة شتاء بلا مرافق أساسية ولا مختبرات ولا ساحات للأنشطة التي تعزز شخصية الطالب وتنمي مهاراته. أما الدوام الثلاثي فقد اختصر اليوم الدراسي إلى ساعات قليلة لا تكفي لتغطية المناهج وخلق حالة إرهاق مستمر لدى المعلمين والطلبة وانعكس ذلك بتراجع واضح في مستوى التحصيل العلمي.

وتزداد المشكلة تعقيدا مع الزيادة السنوية الكبيرة في أعداد الطلبة إذ يدخل كل عام مئات الآلاف من التلاميذ الجدد دون توسع حقيقي في الأبنية المدرسية. ان العراق يحتاج إلى آلاف المدارس الجديدة لكن ما ينجز فعليا لا يقترب من سد الفجوة ولا يواكب النمو السكاني المتصاعد.

ورغم امتلاك الحكومات المحلية صلاحيات واسعة في مجال الإعمار والبناء إلا أن حضور اغلبها في ملف التعليم ما يزال محدودا وباهتا فبدلا من أن تكون شريكا أساسيا في التخطيط والتنفيذ غالبا ما تترك المسؤولية لوزارة التربية وحدها وسط غياب التنسيق وضعف المبادرة بل وفي بعض الأحيان غياب الإرادة السياسية لتحويل هذا الملف إلى أولوية حقيقية وان هذا التقصير أدى إلى اتساع الفجوة بين حاجات المجتمع وما توفره مؤسسات الدولة.

الحل يبدأ بقرار سياسي جريء يعامل التعليم كقضية أمن قومي عبر إطلاق خطة عاجلة لبناء آلاف المدارس سنوياً وإنهاء ملف الكرفانات والدوام الثلاثي بشكل تدريجي ومدروس ومن الضروري تفعيل صلاحيات المحافظات بشكل كامل لتمكينها من تنفيذ مشاريع الأبنية المدرسية مباشرة بعيدا عن الروتين المركزي الذي عطل الكثير من المشاريع كما أن إشراك القطاع الخاص يمكن أن يوفر حلولا عملية وسريعة سواء عبر بناء المدارس وتشغيلها أو المساهمة في تجهيز المختبرات والبنى الحديثة.

ولا يمكن لأي إصلاح أن يكتمل دون توفير بيئة مدرسية ملائمة تشمل الملاعب والمختبرات والمكتبات وتطوير مهارات المعلمين وتحديث أساليب التدريس فالمسألة لا تتعلق ببناء جدران فحسب بل ببناء جيل قادر على مواكبة تحديات المستقبل.

ولا ينبغي إغفال جانب أساسي يتعلق بالخدمات الصحية والمياه داخل المدارس إذ ما تزال كثير من المدارس تفتقر إلى مرافق صحية ملائمة ما يسبب معاناة يومية للطلبة ويؤثر بشكل مباشر في صحتهم وكرامتهم.

إن استمرار أزمة المدارس سيقود إلى تراكمات يصعب معالجتها مستقبلاً بينما يمكن التعامل معها اليوم إذا توفرت إرادة واضحة ورؤية واقعية فالتعليم ليس بندا يمكن تأجيله بل هو الأساس الذي يبدأ منه إصلاح الدولة والمجتمع معاً.

أضف تعليق