
كيف يمكن للعراق أن يخرج من أسر المحاصصة؟
عامر جاسم العيداني
منذ عام 2003 دخل العراق في تجربة سياسية جديدة كان يفترض أن تؤسس لدولة حديثة تقوم على الدستور والمؤسسات لكن ما حدث عمليا هو أن نظام المحاصصة والتوافق السياسي تحول مع الوقت من صيغة انتقالية مؤقتة إلى قاعدة ثابتة في تشكيل الحكومات.
وهكذا أصبحت الدولة تدار وفق ميزان الترضيات بين القوى السياسية لا وفق مبدأ الكفاءة أو البرنامج الحكومي الواضح.
لقد تعاقبت الحكومات منذ مرحلة ما بعد نظام البعث الصدامي مرورا بحكومات متعددة وصولا إلى حكومة محمد شياع السوداني لكن المشكلة الجوهرية بقيت تقريباً كما هي حكومات تتشكل عبر تفاهمات الكتل لا عبر نتائج واضحة لمشروع سياسي تقوده أغلبية حاكمة ومعارضة حقيقية.
المحاصصة لم تضعف فقط الأداء الداخلي للدولة بل انعكست أيضا على موقع العراق الخارجي فحين تكون الحكومة نتاج تسويات متعددة الولاءات يصبح القرار السياسي موزعا بين مراكز قوة مختلفة بعضها مرتبط بتوازنات إقليمية أو دولية. وهنا يفقد العراق جزءا من استقلالية قراره ويبدو أحيانا وكأنه ساحة تفاوض بين مشاريع خارجية أكثر منه دولة تمتلك رؤية وطنية متماسكة.
المشكلة الأساسية في نظام التوافق أنه يلغي مبدأ المسؤولية السياسية ففي الأنظمة الطبيعية من يحكم يتحمل المسؤولية أمام الشعب ومن يعارض يراقب ويحاسب أما في الحالة العراقية فإن الجميع تقريبا داخل السلطة والجميع يشارك في الحكومة ولذلك تضيع الحدود بين النجاح والفشل وتختفي المحاسبة الحقيقية.
لكن السؤال الأهم ليس تشخيص المشكلة بل البحث عن مخرج واقعي منها.
أول خطوة للخروج من المحاصصة هي الانتقال إلى مفهوم الأغلبية السياسية الحقيقية أي تشكيل حكومة تعتمد على تحالف واضح يمتلك برنامجا اقتصاديا وإداريا يقابله معسكر معارض داخل البرلمان، ان هذه المعادلة وحدها قادرة على إعادة الحياة إلى السياسة لأنها تخلق منافسة حقيقية على الأداء وليس على الحصص.
الخطوة الثانية تتعلق بإصلاح النظام الانتخابي فالقوانين الانتخابية المتغيرة والمتأثرة بالتوازنات الحزبية غالبا ما تعيد إنتاج نفس القوى بنفس المعادلات، المطلوب قانون انتخابي يفتح المجال أمام القوى المدنية والكفاءات ويقلل من هيمنة الكتل المغلقة التي تتعامل مع الدولة كأنها غنيمة سياسية.
أما الخطوة الثالثة فهي الأهم والأكثر تعقيدا هو تحرير القرار الوطني من تأثيرات الخارج لان العراق بحكم موقعه الجغرافي وتاريخه لا يستطيع أن يعزل نفسه عن الإقليم أو العالم لكن الفرق كبير بين العلاقات المتوازنة وبين الارتباط السياسي الذي ينعكس على تشكيل الحكومات والقرارات السيادية وهذا يتطلب إرادة سياسية داخلية أولا وشعوراً حقيقيا لدى القوى السياسية بأن بقاء الدولة أقوى من بقاء الأحزاب.
وهناك عامل آخر لا يقل أهمية وهو بناء مؤسسات دولة قوية لا تتغير بتغير الحكومات فكلما كانت المؤسسات مستقلة وقادرة على العمل وفق القانون تقلصت قدرة الأحزاب على تحويلها إلى أدوات نفوذ.
في الحقيقة لا يمكن إنهاء المحاصصة بقرار سريع أو شعار سياسي لانها ثقافة سياسية تشكلت عبر سنوات من الصراع والقلق وانعدام الثقة بين المكونات لذلك فإن الخروج منها يحتاج إلى مرحلة انتقالية واعية تبدأ بإعادة تعريف مفهوم الشراكة الوطنية على انها شراكة في حماية الدولة لا شراكة في تقاسمها.
العراق اليوم يقف أمام مفترق مهم فإما أن تستمر السياسة بطريقة التوازنات الهشة التي تنتج حكومات ضعيفة وقرارات مترددة أو أن يبدأ تحول تدريجي نحو دولة الأغلبية السياسية والمؤسسات القوية والطريق الثاني ليس سهلا لكنه الطريق الوحيد الذي يمكن أن يعيد للعراق وزنه الحقيقي في الداخل والخارج.
وفي النهاية تبقى الحقيقة الأوضح ان الدول لا تدار بمنطق الحصص بل بمنطق المشروع الوطني وعندما ينتصر هذا المشروع ستصبح المحاصصة مجرد مرحلة عابرة في تاريخ السياسة العراقية لا قاعدة دائمة تتحكم بمستقبلها.
أضف تعليق