ليلة في مقبرة العاشقين

ليلة في مقبرة العاشقين

نجيب أحمد محمد المريسي

كان يزور المقابر ليلًا، لا طلبًا للعظة، ولا خوفًا من الموت، بل بحثًا عن شاهد قبرٍ طُمِس اسمها منه، ووُضع بدلًا عنه اسم أخيها، أو اسم أبيها، كأن أهلها أرادوا أن يدفنوا الحبيبة مرتين: مرةً في التراب، ومرةً في النسيان.

حتى هو، بعد كل تلك السنين، لم يكن يستطيع أن ينطق باسمها دون أن يرتجف قلبه، أو يشعر أن جرحًا قديمًا يُفتح داخله من جديد.

في تلك الليلة ارتدى ثيابه الداكنة، ووضع لثامًا على وجهه، ثم خرج متخفيًا تحت عباءة الليل. وما إن اقترب من المقبرة حتى أخذ قلبه يخفق بعنف، وتسارعت أنفاسه كأنما يساق إلى قدرٍ يعرفه منذ زمن.

تذكّر يوم عزم أن يلقاها في بقعةٍ خضراء خارج المدينة، قرب ساقية ماءٍ صغيرة تحيط بها الأعشاب البرية وأزهار الريحان. يومها قضى ساعات ينتظر حلول المساء، لكن شيئًا غامضًا كان يحدث دائمًا كلما حاول الوصول إليها؛ مرضٌ مفاجئ، أو سفرٌ قسري، أو عينٌ تترصده، أو خوفٌ لا يعرف مصدره.

حتى صار يعتقد أن القدر نفسه كان يغار من اجتماعهما.

ومنذ رحيلها، أصبح يعيش على أطيافها.

إذا رأى فتاة تشبهها، انحنى بعينيه إجلالًا، كأن الشبه وحده صار مقدسًا عنده. وإذا سمع فتاة تنادي أخرى باسمها، اضطرب قلبه واغرورقت عيناه بالدموع.

وكان كلما لمح لونًا من الألوان التي اعتادت ارتداءها، شعر أن شيئًا منها ما يزال يمشي في الدنيا.

أما الفجر، فكان أشد الأشياء قسوة عليه؛ لأن خيوطه الأولى كانت تذكره بابتسامتها.

وصل إلى المقبرة عند الحادية عشرة ليلًا.

كانت المقبرة مترامية الأطراف، تغص بعشرات الآلاف من القبور، ساكنة كمدينةٍ هجرها أهلها منذ قرون. لا قمر في السماء، بل نجوم متناثرة تتلألأ ببرودة بعيدة.

أخرج مصباحه الصغير، وبدأ يبحث بين الشواهد.

كانت أصوات الصراصير تتردد في أرجاء المكان، بينما تحمل الريح روائح الرياحين والتراب الرطب، فتمنحه شعورًا غريبًا بأن الموتى ما يزالون يتنفسون تحت الأرض.

كان يمشي ببطء، يلتفت يمنة ويسرة، وشفتاه ملتصقتان من شدة الارتجاف. وكلما لمح حرفًا يشبه أول حروف اسمها، أو اسمًا قريبًا منه، شهق كالغريق، ثم أخذ نفسًا طويلًا ليعيد اتزانه.

ومع مرور الوقت بدأ يشعر أن المقبرة ليست موحشة كما تبدو، بل مأهولة بشيء خفي.

كأن الأرواح تراقبه في صمت.

بل خُيّل إليه أحيانًا أنها هي نفسها تقف بعيدًا، بثوبها الأبيض الذي أحبّه، تنتظره بصبرٍ قديم.

توقف فجأة.

لا يدري لماذا ترسخت في داخله فكرة أن قبرها يقع في وسط المقبرة، لا عند أطرافها.

ورأى في خياله قبةً خضراء من ياقوتٍ مضيء، ينسدل فوقها سترٌ أبيض يشفّ عنه نورٌ خافت، وكأن يدًا ناعمة تزيحه قليلًا لتنظر إليه.

ارتجف.

ثم تابع سيره نحو الوسط.

مرت ساعة…

ثم أخرى…

ثم ثالثة…

حتى بلغ منتصف المقبرة تقريبًا.

هناك رأى قبرًا مرتفعًا قليلًا عن سائر القبور.

تقدم نحوه ببطء، ثم رفع ضوء المصباح إلى الشاهد.

تجمّد مكانه.

كان مكتوبًا: «أخت فلان بن فلان».

اختفى الهواء من صدره دفعةً واحدة.

وسقط المصباح من يده.

ثم جثا على ركبتيه، وراح يتحسس التراب المرتفع بكفيه المرتعشتين، كأنه يلمس جسدها الطاهر بعد فراق العمر كله.

وانهمرت دموعه بصمت.

وهمس: — هنا دُفنت أحلامي… هنا هُزم الحب.

ثم سكت طويلًا، قبل أن يتجرأ للمرة الأولى منذ عقود على نطق اسمها.

نطق الاسم بصوتٍ مكسور، كأن قلبه هو الذي تلفظ به لا لسانه.

وفجأة شعر أن الضوء من حوله يتغير.

رفع رأسه نحو السماء.

كان نجمٌ أخضر يهبط ببطء من الأفق البعيد، يقترب شيئًا فشيئًا حتى أضاء المقبرة كلها بنورٍ زمرديٍّ هادئ.

تسمرت أنفاسه.

وما لبث الضوء أن تشكل أمامه في هيئة شابٍ جميل الوجه، أبيض الثياب، له جناحان عظيمان ينساب منهما ضوء أخضر شفيف.

اقترب منه الشاب، ومد يده إليه.

صافحه بصمت.

فقال الرجل بصوتٍ مرتجف: — من أنت…؟

ابتسم الغريب ابتسامةً يملؤها السلام وقال: — ما شأنك أيها المتعب؟

فانفجر الرجل كمن انشقّ صدره أخيرًا، وأخذ يحكي حكايته؛ كيف اختطف القدر حلمه، وكيف عاش نصف ميت منذ رحيلها، وكيف ظل قلبه معلقًا باسمٍ يخشى حتى النطق به.

أنصت الغريب إليه طويلًا.

ثم قال: — وهل تعلم من أنا؟

هز رأسه بالنفي.

فقال: — أنا ابن مريم.

اتسعت عينا الرجل، وارتعش جسده أكثر: — عليك السلام يا روح الله…

اقترب المسيح من القبر، ثم وضع كفه عليه برفق، وقال: — ما اسمها؟

ارتبك الرجل وقال: — حواء…

فابتسم المسيح وقال: — بل اسمها الحقيقي… فلانة.

وانخفض رأس الرجل خجلًا، كأن روحه انكشفت كلها أمامه.

ثم جلس المسيح قرب القبر وقال بصوتٍ مهيب: — يا فلانة… أنا عيسى ابن مريم… استجيبي بإذن الله، وعودي إلى الحياة، فقد كتب الله لك عمرًا جديدًا.

تراجع الرجل خطوة، وقلبه يكاد يقفز من صدره.

ساد الصمت.

ثم…

تحرك التراب بهدوء.

وخرجت هي.

كما عرفها تمامًا.

كأن الزمن لم يمسسها.

كأن الموت لم يجرؤ على الاقتراب من وجهها.

وقف مبهوتًا، بينما كانت تنظر إليه بعينين ممتلئتين بالشوق القديم.

وفي تلك اللحظة شعر أن الليل الطويل الذي عاشه طوال عمره قد انشق أخيرًا، وأن فجرًا جديدًا يولد داخله.

اندفع نحوها دون وعي.

فعانقته.

وعانقها.

وكان حضنهما أشبه بلقاء روحين تاهتا طويلًا ثم وجدتا الطريق أخيرًا.

ابتسم المسيح، ووضع يده على رأسيهما، وقال: — بارك الله لكما، وجمع بينكما في حياةٍ لا فراق بعدها.

ثم اختفى النور فجأة.

وعادت المقبرة ساكنة كما كانت.

لكن الرجل لم يشعر بشيء بعد ذلك.

وعندما طلع الفجر، وجد الناس عند القبر رجلًا مسجّى على التراب، وملامح الطمأنينة تغمر وجهه كأنه رأى أخيرًا ما كان ينتظره منذ عمر.

أما المرأة… فلم يجدوا لها أثرًا.

وقيل إن بعض العابرين رأوا، لحظة انبلاج الصبح، روحين تمضيان بعيدًا في أرضٍ غير الأرض، تحت سماءٍ لا تشبه سماء الدنيا.

اليمن

أضف تعليق