عندما تفقد بيوتنا ذاكرة الزمن
الحنين بين سيمياء الذاكرة وأنطولوجيا الغياب
قراءة نقدية في قصيدة :
«هذا البيت ليس لي»
للشاعرة حنان الويليدي
الناقد: د. عبدالكريم الحلو
● القصيدة :
” هذا البيت ليس لي ”
الشاعرة حنان الويليدي
هذا البيت لي !
زرته يوما لا كما كنته
أدق أدق أدق
قلبي يدق
سُمِرتْ عيوني
بكت الأبواب
أين النافذة
التي كم زاحمت فيها امي؟
أين رائحة الخبز؟
أين الاطفال
يختفون من المطر
يدوسون الورد
يغافلون ابي؟
أين ممشى الحديقة
عريشة العنب؟
أين قميص اخي
يرفرف بين الاغصان؟
أين القطط والعصافير ؟
أين دورة الشاي والكرسي؟
أين السوالف واسنان الذهب
متى ضحكت جدتي؟
أين اغنية الست
وانا لا افهمها وابكي؟
حتى القرميد الأخضر
ما عاد يعرف وجهي
أواه !!
قد يموت الأحياء
ويحيى الاموات
الوجوه الأسماء الأماكن
تبقى فينا حتى نمضي
الشاعرة حنان الوليدي
ــــــــ 📌 ــــــــ 📌 ــــــــ
● المقدمة :
حين يعود الإنسان إلى نفس المكان
ولا يجد نفسه !!
نص «هذا البيت ليس لي»
للشاعرة حنان الويليدي
لا تكتفي باستدعاء تجربة شخصية هي العودة إلى بيت الطفولة، وإنما تحول هذه العودة إلى تجربة إنسانية مشتركة :
ماذا يحدث لنا حين نعود إلى الأمكنة التي صنعتنا، فنكتشف أنها ما زالت هناك، بينما نحن لم نعد أولئك الذين كانوا يسكنونها؟
من هنا لا ينبغي قراءة هذه القصيدة بوصفها نصا عن الحنين فقط.
فالحنين هو الطبقة الأولى.
أما الطبقات الأعمق فهي:
المكان، الذاكرة، الهوية، الزمن، الغياب، الموت، واستحالة استعادة الماضي.
والبيت في القصيدة ليس جدرانا وأبوابا ونوافذ، وإنما هو مستودع للوجود الشخصي ، إنه المكان الذي كانت الذات فيه في طور التشكل ، ولهذا فإن العودة إليه تشبه العودة إلى الذات الأولى، لكن المفارقة أن الذات الأولى لم تعد موجودة إلا في الذاكرة.
وهنا تبدأ مأساة النص.
ــــــــ 📌 ــــــــ 📌 ــــــــ
● أولا :
البيت بوصفه أنطولوجيا للذات
البيت في القصيدة ليس ديكورا مكانيا، وإنما هو وجود كامل.
حين تقول الشاعرة:
« هذا البيت لي!»
فهي لا تعلن ملكية عقارية، بل تعلن انتماء وجوديا.
هذا البيت كان جزءا من تكوينها؛ فيه الأم، والأب، والأخ، والجدة، والأطفال، والحديقة، والعريشة، والقطط، والعصافير، ورائحة الخبز، وأغنية أم كلثوم، ودورة الشاي، والكرسي، والسوالف.
أي أن البيت لم يكن مكانا تسكن فيه الذات، بل كان المكان الذي صنعت فيه الذات نفسها.
ولهذا فإن العودة إليه تصبح أشبه بالعودة إلى الرحم الأول.
لكن الصدمة تحدث عندما تكتشف الشاعرة أن المكان لم يعد قادرا على استعادتها.
« حتى القرميد الأخضر
ما عاد يعرف وجهي»
يا لها من جملة عميقة!
فالقرميد، وهو شيء جامد، يتحول إلى كائن يمتلك الذاكرة. لكن المفارقة أن هذا الكائن الذي كان شاهدا على طفولتها لم يعد يعرف وجهها.
هنا يحدث الانفصال الأنطولوجي:
أنا أعرف المكان، لكن المكان لم يعد يعرفني.
وهذا من أوجع أشكال الاغتراب.
● ثانيا:
البيت بين غاستون باشلار والذاكرة الشعرية
إذا استحضرنا فلسفة المكان عند غاستون باشلار، فإن البيت ليس مجرد حيز هندسي، بل هو أحد أعمق الأمكنة التي تحفظ ذاكرة الإنسان.
البيت عند باشلار يرتبط بالحميمية، والحلم، والطفولة، والزوايا، والأبواب، والنوافذ، والأمكنة الصغيرة التي تتحول في الذاكرة إلى عوالم كاملة.
وهذا بالضبط ما تفعله حنان الويليدي.
هي لا تصف البيت من الخارج.
لا تقول لنا كم غرفة فيه، ولا كيف بني، ولا أين يقع.
بل تستعيد ما كان يحدث فيه.
تقول:
« أين رائحة الخبز؟»
ثم:
« أين الأطفال
يختفون من المطر»
ثم:
« أين ممشى الحديقة
عريشة العنب؟»
ثم:
« أين قميص أخي
يرفرف بين الأغصان؟»
وهكذا يصبح البيت في القصيدة بيت الذاكرة لا بيت الحجر.
وهذا فارق جوهري.
فالبيت الفيزيائي يمكن أن يقاس بالأمتار.
أما البيت الوجداني فلا يقاس إلا بما تركه في الروح.
● ثالثا:
البيت بوصفه رحم الذاكرة
البيت في النص يشبه الرحم الأول.
فيه ولدت العلاقات الأولى.
فيه تعلمت الذات معنى الأم.
وفيه اكتشفت الأب.
وفيه عرفت الأخوة.
وفيه سمعت ضحكة الجدة.
وفيه تشكلت علاقتها بالطبيعة والمطر والطعام والأغنية.
ولهذا فإن العودة إلى البيت ليست عودة إلى مكان، وإنما عودة إلى النسخة الأولى من الذات.
لكن الذات لا تستطيع استعادة طفولتها.
وهنا يتحول البيت إلى مرآة مؤلمة.
فالإنسان يرى المكان القديم، لكنه يرى من خلاله غيابه هو.
● رابعا:
الباب بوصفه عتبة أنطولوجية
تقول الشاعرة:
« أدق أدق أدق
قلبي يدق »
هذا التكرار ليس حشوا إيقاعيا.
إنه فعل شعري بالغ الدلالة.
«أدق» تعني أنها تطرق الباب.
لكنها في الوقت نفسه تقول:
قلبي يدق.
إذن يتحول الباب إلى موضع اتصال بين:
الجسد والمكان، الحاضر والماضي،
الداخل والخارج، الواقع والذاكرة.
إنها لا تطرق بابا فقط.
إنها تطرق باب الزمن.
لكن الزمن لا يفتح.
وهنا تتولد المأساة.
فالإنسان يستطيع طرق باب المكان،
لكنه لا يستطيع طرق باب الماضي.
● خامسا :
« سمرت عيوني » ـ لحظة الصدمة
بعد الطرق يأتي التوقف:
« سمرت عيوني
بكت الأبواب»
كأن الزمن توقف.
«سمرت» تحمل معنى التثبيت والعجز عن الحركة. الشاعرة ترى شيئا لا تستطيع أن تستوعبه. ثم تمنح الأبواب قدرة البكاء.
وهنا تحدث عملية تبادل بين الإنسان والمكان : الإنسان يبكي.
لكن النص يجعل الأبواب هي التي تبكي.
لماذا؟
لأن المكان أصبح شريكا في الفقد.
فالبيت ليس شاهدا محايدا.
إنه شاهد على حياة انتهت.
● سادسا:
السيمياء ـ حين تتحول الأشياء إلى علامات
السيميائيات لا تنظر إلى الأشياء بوصفها أشياء فقط، وإنما بوصفها علامات تحمل معاني تتجاوز وجودها المادي.
وفي هذه القصيدة تتحول الأشياء الصغيرة إلى مفاتيح للذاكرة.
رائحة الخبز ليست رائحة فقط.
النافذة ليست نافذة فقط.
الكرسي ليس كرسيا فقط.
قميص الأخ ليس قطعة قماش فقط.
القرميد الأخضر ليس مادة بناء فقط.
كل هذه الأشياء أصبحت علامات على أشخاص وأزمنة وحالات نفسية.
وهنا يمكن القول إن الشاعرة أنشأت في القصيدة ما يشبه:
معجما سيميائيا للطفولة.
● سابعا:
رائحة الخبز ـ الحاسة التي تهزم الزمن
من أقوى الأسئلة:
« أين رائحة الخبز؟»
اختيار الرائحة تحديدا بالغ الذكاء.
فالذاكرة الشمية من أكثر الذاكرات التصاقا بالانفعال.
يمكن أن ننسى تاريخا كاملا، لكن رائحة معينة قادرة على فتح باب زمني كامل.
لذلك لا تسأل الشاعرة:
أين المطبخ؟
بل تسأل:
أين الرائحة؟
لأن ما تريده ليس المكان، وإنما الحياة التي كانت تنبعث منه.
الخبز هنا علامة على:
الأم. البيت. الصباح.
العائلة. الأمان. الطفولة.
وبذلك تختصر الرائحة منظومة كاملة من الوجود.
ــــــــ 📌 ــــــــ 📌 ــــــــ
● ثامنا:
النافذة والأم ـ سيمياء الحضور الغائب
تقول:
« أين النافذة
التي كم زاحمت فيها أمي؟»
النافذة من أكثر الرموز قدرة على حمل المعنى.
فهي مكان بين فضاءين:
الداخل والخارج.
الخصوصية والعالم.
البيت والشارع.
الأمان والمجهول.
لكن النافذة هنا مرتبطة بالأم.
ولهذا فإن السؤال عن النافذة هو سؤال غير مباشر عن الأم.
وهذه تقنية جميلة في النص:
الشاعرة لا تقول : أين أمي؟
لكنها تجعلنا نبحث عنها من خلال النافذة.
وهذا أكثر شعرية من التصريح المباشر.
● تاسعا:
الأطفال ـ الزمن الذي لا يعود
« أين الأطفال
يختفون من المطر
يدوسون الورد
يغافلون أبي؟»
هذه الصورة تجمع ثلاثة عناصر:
المطر، الأطفال، الأب.
وهي عناصر تنتمي إلى عالم الحركة والحياة. الأطفال يركضون. الأب يراقب. المطر ينزل. والورد يُداس.
إنها حياة في ذروة امتلائها.
لكن عندما تعود الشاعرة لا تجد شيئا منها.
وهنا يتحول المكان من فضاء للحركة إلى فضاء للصمت.
وهذا التحول هو جوهر الحنين.
● عاشراً :
قميص الأخ ـ الجسد الذي بقيت علامته
من أجمل صور النص:
« أين قميص أخي
يرفرف بين الأغصان؟»
الشاعرة لا تبحث عن الأخ مباشرة.
إنها تبحث عن قميصه.
وهنا يتحول القميص إلى أثر.
والأثر هو الشيء الذي يبقى عندما يغيب صاحبه.
القميص يمثل الجسد الغائب.
والرفرفة بين الأغصان تمنح الغياب حركة.
كأن الأخ ما زال موجودا، لكن في صورة قميص يتحرك في الهواء.
وهذه صورة تجمع بين:
الحضور والغياب.
وهي الثنائية الأساسية في القصيدة كلها.
● الحادي عشر:
الجدة وأسنان الذهب ـ ذاكرة التفاصيل
تقول:
« أين السوالف واسنان الذهب
متى ضحكت جدتي؟»
هنا تكشف الشاعرة عن طبيعة الذاكرة.
فالذاكرة لا تحفظ الأشخاص بصورة فوتوغرافية كاملة.
إنها تحفظ تفاصيل صغيرة.
سوالف. أسنان ذهب. ضحكة.
هذه التفاصيل الصغيرة تصبح أكثر بقاء من الملامح العامة.
وهذا سر قوة النص.
إن الشاعرة لا تقول:
«أشتاق إلى جدتي.»
بل تستدعيها من خلال علامة جسدية صغيرة ، وهذا يجعل الحنين ملموسا.
● الثاني عشر:
أم كلثوم ـ الذاكرة السمعية
ثم:
« أين أغنية الست
وأنا لا أفهمها وأبكي؟»
هنا تدخل الذاكرة السمعية.
واللافت أن الشاعرة تقول:
لا أفهمها وأبكي.
وهذا من أجمل اعترافات الطفولة في النص ، فالطفل لا يحتاج إلى فهم المعنى كي يتأثر بالجمال.
كان الصوت أكبر من الكلمات.
وكان الإحساس سابقا على الفهم.
ومن الناحية الفلسفية، يمكن القول إن الشاعرة تستعيد هنا مرحلة كان فيها الوجود يسبق اللغة.
كانت تسمع قبل أن تفهم.
وتبكي قبل أن تعرف لماذا تبكي.
● الثالث عشر:
القرميد الأخضر ـ ذروة السيمياء
ثم تأتي العبارة:
« حتى القرميد الأخضر
ما عاد يعرف وجهي»
هذه ربما أكثر صورة كثافة في القصيدة.
القرميد شيء جامد.
لكن الشاعرة تمنحه ذاكرة.
ثم تمنحه قدرة على التعرف.
لكن المفارقة:
القرميد لا يعرف وجهها.
وهنا لا يكون السؤال:
هل تغير القرميد؟
بل:
هل تغير الوجه؟
ربما بقي البيت.
وربما بقي القرميد.
لكن الزمن مر على وجه الشاعرة.
إذن القرميد يصبح مرآة للزمن.
والإنسان حين يعود إلى المكان القديم يكتشف أحيانا أن أكثر شيء تغير ليس المكان، بل وجهه هو.
● الرابع عشر:
الزمن عند هايدغر ـ الإنسان ككائن يمضي
إذا قرأنا الخاتمة من منظور وجودي، خصوصا من خلال مفهوم الزمن والوجود عند مارتن هايدغر، فإن عبارة:
« حتى نمضي»
تكتسب عمقا كبيرا.
الإنسان ليس كائنا ساكنا.
إنه كائن في طريقه دائما إلى النهاية.
نحن نعيش داخل الزمن، لكننا لا نمتلكه.
وكل لحظة نعيشها تتحول فورا إلى ماض.
ولهذا فإن البيت نفسه يصبح رمزا للزمن:
نعود إليه لنجد أن الماضي لم يعد موجودا إلا فينا.
فالإنسان لا يستطيع العودة إلى الماضي، لكنه يستطيع أن يحمل الماضي معه.
وهذا ما يحدث للشاعرة.
● الخامس عشر :
برغسون والذاكرة التي لا تموت
عند هنري برغسون، الذاكرة ليست مجرد مخزن للمعلومات، وإنما هي استمرار للماضي داخل الحاضر.
وهذا واضح جدا في النص.
كالماضي لم يعد موجودا خارج الشاعرة، لكنه ما زال حيا داخلها.
ولهذا تقول:
« الوجوه الأسماء الأماكن
تبقى فينا حتى نمضي»
هذه الجملة يمكن أن تكون مفتاحا فلسفيا للنص كله.
المكان يموت خارجنا.
لكن صورته تستمر داخلنا.
والإنسان يصبح، إلى حد كبير، أرشيف ما عاشه.
● السادس عشر:
الموت في القصيدة ليس موتا بيولوجيا
القصيدة تقدم مفهوما أكثر تعقيدا للموت:
« قد يموت الأحياء
ويحيى الأموات»
الموت هنا له مستويات.
قد يموت الإنسان جسدا.
وقد يبقى حيا في الذاكرة.
وقد يكون الإنسان حيا جسدا، لكنه غائب عن علاقتنا به، فيصبح ميتا في وجداننا.
إذن:
الحياة ليست مجرد استمرار الجسد.
كما أن:
الموت ليس مجرد توقف الجسد.
إنها رؤية أنطولوجية ترى الوجود في علاقته بالذاكرة.
ــــــــ 📌 ــــــــ 📌 ــــــــ
● السابع عشر:
القصيدة بوصفها مقاومة للنسيان
يمكن أن نذهب أبعد من ذلك.
الشعر هنا يقوم بوظيفة مقاومة الموت.
حين تكتب الشاعرة عن:
الأم، الأب، الأخ، الجدة، الأطفال،
البيت، النافذة، الخبز، الأغنية،
فإنها لا تستعيدهم فقط.إنها تنقذهم من النسيان.
وهنا تصبح الكتابة فعلا وجوديا.
فالكتابة تقول:
لقد حدثوا.
لقد كانوا هنا.
لقد أحببناهم.
لقد عشنا معهم.
وما دام النص موجودا،
فإن جزءا منهم ما زال موجودا.
وهذه إحدى أقدم وظائف الشعر:
أن يمنح الغائب حياة ثانية في اللغة.
● الثامن عشر:
الحنين ليس ضعفا
من الأخطاء الشائعة النظر إلى الحنين بوصفه عاطفة هشة.
في هذه القصيدة الحنين قوة معرفية.
فالشاعرة من خلال الحنين تكتشف:
أن المكان لا ينفصل عن الإنسان.
وأن الزمن لا يعود.
وأن الذاكرة ليست أرشيفا محايدا.
وأن الأشياء قد تحمل أرواح أصحابها.
وأن الإنسان يموت مرة حين يغادر الحياة، ومرة حين يُنسى.
إذن الحنين هنا ليس بكاء على الماضي.إنه طريقة لمعرفة معنى الوجود.
● التاسع عشر:
البناء الحركي للنص
القصيدة تتحرك في أربع مراحل نفسية:
العودة ، ثم الصدمة ، ثم البحث ، ثم الاكتشاف ، تعود الشاعرة ، تطرق الباب.
تتوقف. تبدأ في السؤال عن الأشياء.
ثم تكتشف أن كل شيء يقودها إلى الغياب.
وفي النهاية تصل إلى الحقيقة:
الأشياء والأسماء والوجوه لا تعيش خارجنا إلى الأبد، لكنها تستمر داخلنا.
وهكذا تتحول القصيدة من رحلة مكانية إلى رحلة داخل الوعي.
● العشرون:
اللغة ـ لماذا نجحت البساطة؟
لغة حنان الويليدي لا تعتمد على المعجم الشعري الفخم.
وهذا اختيار مناسب جدا لطبيعة التجربة.
فالحنين يحتاج إلى لغة قريبة من الذاكرة.
والذاكرة لا تتحدث عادة بجمل فلسفية.
إنها تقول:
أين أمي؟
أين أخي؟
أين جدتي؟
أين الخبز؟
أين الحديقة؟
ولهذا جاءت الأسئلة البسيطة محملة بطاقة عاطفية عالية.
إن قوة النص ليست في غرابة الكلمات، وإنما في عمق العلاقات التي تقيمها الكلمات بينها.
● الحادي والعشرون:
من الخاص إلى الكوني
تبدأ الشاعرة من بيت محدد.
لكن القارئ لا يبقى في بيتها.
سرعان ما يبدأ في استحضار بيته هو.
يتذكر نافذته. وأمه. وجدته. وأخاه.
ورائحة الطعام. وصوتا قديما.
وشجرة ربما لم تعد موجودة.
وهنا يتحقق شرط مهم من شروط الشعر الكبير : أن يتحول الخاص إلى كوني.
التجربة تخص الشاعرة.
لكن الشعور يخص الإنسان.
● الثاني والعشرون:
القيمة الجمالية والفكرية للنص
القيمة الجمالية في القصيدة تتأسس على ثلاثة عناصر:
أولها : صدق التجربة.
ثانيها : اقتصاد الصورة.
ثالثها : تحويل التفاصيل إلى علامات وجودية.
أما القيمة الفكرية فتنبع من أن النص يطرح، من غير تنظير ثقيل، أسئلة كبرى:
ما الذي يجعل المكان مكانا؟
ما الذي يجعل الإنسان هو نفسه؟
هل الماضي ينتهي حقا؟
هل الموت يلغي الوجود؟
هل يمكن للذاكرة أن تمنح الغائب حياة؟
وأين يسكن البيت الحقيقي: في الخارج أم في الداخل؟
● الثالث والعشرون:
الحكم النقدي
«هذا البيت ليس لي»
هي قصيدة ليست مكتملة لا لأنها حزينة،
بل لأنها تجعل الحزن أداة معرفة.
وهذا فرق جوهري.
الشاعرة لا تكتفي بأن تقول:
« اشتقت إلى بيتي.»
بل تجعلنا نفهم لماذا يصبح البيت غريبا حين يغيب أهله، ولماذا تصبح الأشياء علامات على الموت، ولماذا يستطيع الماضي أن يكون أكثر حضورا من الحاضر.
وأجمل ما في النص أن الشاعرة لم تجعل البيت مركز الحكاية وحده؛ بل جعلت الإنسان هو البيت الحقيقي.
فالبيت الخارجي يتغير.
والأثاث يتغير.
والوجوه تغيب.
والأبواب تصمت.
والقرميد لا يعود يعرفنا.
لكن كل ذلك يستمر في الداخل.
ــــــــ 📌 ــــــــ 📌 ــــــــ
● الخاتمة :
البيت الذي نحمله ولا نحتمي به
في نهاية القصيدة تقول الشاعرة:
« الوجوه الأسماء الأماكن
تبقى فينا حتى نمضي»
وهذه ليست خاتمة لنص فحسب، بل يمكن أن تكون خلاصة لفلسفة الذاكرة كلها.
نحن نمضي ، الأمكنة تبقى.
ثم نمضي أكثر ، الأمكنة تتغير.
ثم نمضي أكثر ، الأسماء تغيب.
لكن شيئا منها يبقى فينا.
وفي النهاية لا نغادر الحياة وحدنا، بل نغادر ونحن نحمل داخلنا بيوتا كثيرة:
بيت الأم. بيت الأب. بيت الطفولة.
بيت الجدة. بيت الأخوة. بيت الحديقة.
بيت المطر. بيت الأغنية.بيت الضحكة الأولى.
ولذلك فإن عنوان القصيدة يحمل مفارقته النهائية:
«هذا البيت ليس لي»
لأنه لم يعد موجودا كما كان.
لكنه، في الحقيقة، أكثر أملاك الشاعرة رسوخا؛ لأنه انتقل من العالم الخارجي إلى العالم الداخلي.
وهنا تكمن المفارقة الفلسفية الأجمل:
ما نفقده في الواقع قد نمتلكه في الذاكرة،
وما نملكه في الواقع قد نفقده حين نفقد معناه.
إن حنان الويليدي لا ترث بيتا من الحجر؛ إنها ترث ذاكرة بيت ، والحجر قد يتصدع.
والأبواب قد تبلى. والقرميد قد ينسى الوجوه ، لكن الشعر يفعل ما يعجز عنه الزمن:
يعيد للغائب صوته، وللبيت روحه،
وللطفولة نافذتها، وللأموات حياة أخرى.
ولهذا يمكن القول إن القصيدة، في جوهرها العميق، ليست عن بيت لم يعد للشاعرة ، إنها عن بيت صار يسكنها أكثر مما كانت تسكنه ، وهنا يتحول الحنين من انفعال إلى فلسفة، وتتحول الأشياء من جمادات إلى علامات، وتتحول الذاكرة من ماض إلى حضور، ويتحول الشعر من كتابة عن الغياب إلى مقاومة للغياب.
وهذه هي القيمة الأعمق في تجربة حنان الويليدي في هذه القصيدة.
«هذا البيت ليس لي»
قصيدة عن استحالة العودة.
فالعودة الجسدية ممكنة، لكن العودة الزمنية مستحيلة.
يمكن للإنسان أن يطرق الباب القديم، وأن يرى الجدران، وأن يلمس القرميد، وأن يمشي في الحديقة، لكنه لا يستطيع أن يستعيد الأم وهي عند النافذة، ولا الأطفال وهم يهربون من المطر، ولا قميص الأخ بين الأغصان، ولا ضحكة الجدة، ولا طفولته وهو يبكي أمام أغنية لا يفهم كلماتها.
لذلك فإن البيت الحقيقي ليس الجدران.
البيت هو الزمن الذي عشناه داخله.
وحين ينتهي ذلك الزمن، يصبح البيت مكانا نعرفه ولا يعرفنا.
وهنا تبلغ القصيدة ذروتها:
هذا البيت لي لأنني تركت فيه جزءا مني،
وهذا البيت ليس لي لأن الجزء الذي تركته فيه لا يستطيع أن يعود.
إنها قصيدة عن المكان، لكنها في جوهرها قصيدة عن الزمن.
وقصيدة عن الأسرة، لكنها في عمقها قصيدة عن الفقد.
وقصيدة عن الحنين، لكنها في مستواها الفلسفي قصيدة عن الوجود والموت والذاكرة.
ولعل أجمل ما تقوله حنان الويليدي، دون أن تقوله مباشرة، هو:
إن الإنسان لا يسكن البيوت فقط؛
إن البيوت تسكن الإنسان.
وحين نمضي، لا تأخذنا الأماكن معنا، لكنها تظل تأخذنا إلى نفسها كلما مرّت رائحة، أو أغنية، أو نافذة، أو شجرة، أو وجه قديم في الذاكرة.
وهكذا يصبح العنوان «هذا البيت ليس لي» ليس إعلان فقدان، بل اكتشافا فلسفيا عميقا:
لم يكن البيت ملكنا يوما؛
كنا نحن، لبعض الوقت، ملكا لذاكرته.

اترك رد