القوة الشيعية العراقية قوة ناعمة لفشل مشروع التقسيم الأمريكي

جريدة الأقلام الدولية
International pens newspaper

د.

 

 

فاطمة سلومي

أكاديمية وإعلامية عراقية

عندما أعلن الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون عام 1918 وتحديداَ بعد الحرب العالمية الأولى النقاط الأربعة عشر، والتي مثلت وثيقة مهمة بينت من خلالها السياسة الأمريكية تجاه العراق بشكل خاص والمنطقة العربية بشكل عام ، إذ سعت بكل جهودها العسكرية والاقتصادية والاجتماعية إلى تفكيك جغرافية العراق المعروف بخيراته وثرواته وحضارته العريقة الممتدة عبر آلاف السنين وتقسيمه إلى ثلاث كيانات مذهبية وعرقية واثنيه سياسية لذلك استمر مشروع التقسيم إلى وقتنا الحالي، ففي عام 1957 إلف المؤلف الهندي (ر.ك.كرانيجيا ) كتابا تضمنت فصوله مخطط إسرائيل بالدرجة الأساس مع الولايات المتحدة الأمريكي لمشروع التقسيم، والذي حدد ضمن هرم شكلي يبدأ بتشكيل دولة كردية ومن ثم فصلها إلى متعددة ولم يبتعد المشروع الأمريكي عما طرحه هنري كيسنجر عام 1973 عندما ذكر مرتكزات هذا المشروع ،المتضمن تقسيم المنطقة العربية على أسس طائفية ومذهبية ومنها العراق ، وقد اختلفت الآراء حول بدايات هذا المشروع فبعض الباحثين، يرون إن بدايته كانت في مرحلة التسعينات وتحديدا مناطق حظر طيران بذريعة حماية الشيعة والأكراد في الجنوب والشمال حتى انه قبل عاصفة الصحراء حينما أكد مستشار القانون الأمريكي ألان توبول من خلال الموقع الالكتروني للجيش الأمريكي بقوله إن عدد دول العالم حاليا (193)دولة ولا توجد لدينا مشكلة إذا أصبحت (196) دولة وهنا إشارة واضحة للعراق ، والسعي لتقسيمه وقد تعزز بشكل كبير باستخدام قوة العصا والترهيب والترغيب عندما احتلت الولايات المتحدة الأمريكية العراق عام 2003 بذريعة البحث عن أسلحة الدمار الشامل ومحاولة إيجاد( دولة المكونات) فكانت أولى خطوات مشروع التقسيم ، هو إلغاء الدستور العراقي المؤقت والمعدل لعام 1970 من قبل الحاكم المدني بول بريمر والبدء فيما يسمى قانون الدولة المؤقت كبديل للدستور العراقي ليشكل بول بريمر ما يعرف بسلطة التحالف المؤقتة (مجلس الحكم) الانتقالي الذي يضم(25) شخصية عراقية والذين تم اختيارهم وفق الاثنية السياسية والطائفية، وترجمة هذا المشروع المتمثل مثلا بحق تقرير مصير الكرد وحق تشكيل الأقاليم غير الإدارية، ضمن ما يعرف بالدولة الفيدرالية ، وفي عام 2007 تكرر مشروع التقسيم حينما طرح جو بإيدن والذي كان رئيساً للجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ ، إثناء حكم باراك اوباما مشروع تقسيم العراق إلى ثلاثة دول كجزء من الحل، لاسيما وان العراق كان يشهد التصعيد الطائفي الذي اوجد تنظيم القاعدة الإرهابي ،وقتله المئات من الأبرياء في المجتمع العراقي ، وعند مجي دونالد ترامب إلى السلطة عام 2014 كانت السياسة الأمريكية تتأرجح تجاه العراق ، وذلك وفق المعطيات القائمة على الثابت والمتغير منها لكون ترامب لم يدخل بعد عالم السياسة ، وفكرة الفدرالية لم تكن في الحسبان، بل التطبيع مع إسرائيل هو السائد، ولعل صفقة القرن هي الأبرز في سياسته تجاه الشرق الأوسط والتي أراد من خلالها إلى إنهاء النزاع بين الفلسطينيين والإسرائيليين ، والتي رسمها صهر ترامب جاريد كوشنر خلال المؤتمر الذي عقد في البحرين يومي 25-26 عام 2019وقد نالت هذه الصفقة إثناء إعلانها مابين القبول والرفض العربي ، وما أفرزته من تطبيع بعض الدول العربية ومنها دولة الإمارات المتحدة والمملكة العربية السعودية التي عبرتا عن تثمينهما لجهود ترامب بشان خطة السلام، والتي تتضمن إنشاء صندوق استثمار عالمي لدعم اقتصاديات الفلسطينيين والدول العربية المجاورة ، إما العراق فكان موقفه واضحاً والمتضمن وقوفه إلى جانب أشقائه الفلسطينيين في حقوقهم المشروعة ، وحقهم في العودة إلى أراضيهم المسلوبة ، جاء ذلك في بيان وزارة الخارجية العراقية والمنطلق من موقف العراق الرافض لسياسة التطبيع، وعند مجي جو بإيدن إلى البيت الأبيض ، تساؤل الكثيرون باستفهامات متعددة ،أهمها هل سينفذ مشروع تقسيم العراق المطروح عام 2007 أم إن الأمر سيختلف بعد تسنمه الرئاسة وسط أجواء التطبيع مع إسرائيل ومحاولة زج العراق بالمتغيرات الجديدة والمعطيات التي تؤكد بان المشروع مازال قيد التطبيق وسيرى النور حال سنحت الظروف في ذلك لاسيما وان الموقف الرسمي غير ثابت وهناك تذبذب بالمواقف بين السياسيين أنفسهم والذي اثر على ثوابت القرار، ناهيك عن المشكلات التي تعصف بالعراق والتي لا يمكن حلها أو تجاوزها وعليه فخطوات الولايات المتحدة تجاه العراق باقية وواضحة إذ تسعى جاهدة لتنفيذ استراتجياتها والمتمثلة بتمزيق وحدة النسيج الاجتماعي، مستغلة في ذلك حالة الانسداد السياسي مرة والخلافات مرة أخرى ومحاولاتها تقوية علاقاتها مع بعض القوى الشيعية، على حساب القوى الأخرى، وذلك لتشكيل قوى مناهضة لإيران ، وقد بدا هذا واضحا بعد نتائج الانتخابات عام 2021وكل ما افرزته من خسارة لبعض الأحزاب الشيعية المشاركة، التي لم تفز بالانتخابات للحيلولة دون وصولها إلى السلطة وتوجيه دعمها لبعض الأحزاب الشيعية والسنية المؤيدة لسياسة الولايات المتحدة في العراق وتدجينها بشكل يتفق مع العلمنة المفرطة في تعزيز توجهاتها الطائفية وخلق أزمة الهوية الوطنية، بكل فروعها الفردية الاجتماعية – القومية واللعب على ما يعانيه العراق من ضعف في البنى التحتية وسياسات الاقتصاد الخاطئة ،المبنية على فقدان الخطط الإستراتيجية الصحيحة، وعلى هذا الأساس سعت الولايات المتحدة إلى تبني إستراتيجية طويلة المدى في التعامل مع العراق، لاستمرار تحولها نحو المنافسة مع القوة العظمى كالصين وروسيا وكبح سياسة إيران في العراق، بعد إن أدركت أمريكا أهمية المشروع الاقتصادي الصيني، والذي يعرف حزام واحد طريق واحد وسعي الصين إلى خط المواجهة الاقتصادية وإبراز نفسها كقوة عظمى واستثمار قوتها الاقتصادية في المنطقة العربية بشكل عام والعراق بشكل خاص، وبالتالي يحقق مشروعها القائم على ربط تجارة أسيا وأوربا لاسيما إن العراق يعد ثالث اكبر مورد للنفط الخام للصين بعد السعودية والصين والوجود الواضح للشركات الصينية في جنوب العراق، الذي يسكنه الأكثرية من الشيعة ، ولم يتوقف الأمر عند الوجود الصيني، فروسيا تعد لاعب مهم في العراق من حيث تزويد العراق بالأسلحة والطاقة وهذا يعزز الوجود الروسي والصيني، معا في التعاون واثبات الوجود الاقتصادي في العراق أكثر من خلال الخروج عن شعار المنافسة بينهما كدولتين كبيرتين بل اخذ التعاون الحجم الأكبر في ذلك ، وهذا بحد ذاته يشكل خطرا على الوجود الأمريكي ليس في الشرق الأوسط ، بل على وجودها في العراق والدور الذي تؤديه فصائل المقاومة الشيعية في رفض وجودها ومطالبات الانسحاب بأقل الخسائر، من هنا نقول إن سياسة الولايات المتحدة لن تتغير تجاه العراق ،من حيث تحقيق أهدافها ولن تنسحب ما لم تضمن بالدرجة الأساس أهدافها الأمنية والاقتصادية والسياسية وربما إعادة مشروع التقسيم ،لكن بأسلوب وقوة ناعمة جديدة تصنع أدواتها بعض الشخصيات المؤيدة لسياستها في العراق، والتي تأمل إلى إنشاء مشروع الشرق الأوسط الجديد، الذي يقتفي إلى أساسيات مذهبية وقومية قائمة على التطبيع مع إسرائيل، لهذا فمشروع أمريكا، يدفع باتجاه الهيمنة على القرار العراقي واختيار حكومة موالية لسياستها ومحاولة قتل الاقتصاد العراقي إن صح التعبير وتقسيمه إلى نصفين، إي مابين البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وحث الإطراف المؤيدة لسياستها إلى الاقتتال الطائفي ،وهذا ما ملموس بعد إعلان نتائج الانتخابات وفوز التيار الصدري ومحاولة جعله في صدام مع بعض القوة والى الاحتراب والصراع ،ولعل ما حدث عام 2019 من تأجيج للشارع العراقي، وكسبها بعض الإطراف الشيعية على حساب الإطراف الشيعية الأخرى، دليل على ذلك، لان هدفها الأساس هو تمزيق وحدة البيت الشيعي واستغلال الخلافات بينهما وإخراج القدر الممكن من القوة الشيعية المؤيدة لسياسة إيران في الداخل وجعلها صوب الصف الأمريكي، ناهيك عن منع الربط ألسككي بين إيران والعراق والذي يطمح له الطرفان، فضلا عن ذلك دعمها المستمر لعودة البعث والبعثيين من السنة والشيعة على حد سواء إلى الساحة السياسية ورسم سياسة العلمانية ورفض شعار( كلا كلا أمريكا ) (والموت لأمريكا ) وتلاشي سياسة الحشد الشعبي والتحشيد برفض وجوده في المناطق السنية، باعتباره قوة ضاربة للمصالح الأمريكية ولا يمكن أيضا تجاهل دور الولايات المتحدة في دعمها للكرد ،والترويج للانفصال وإقامة حلم الإقليم السني الهدام للوحدة الوطنية والهوية العراقية، لاسيما إن الولايات المتحدة تدرك جيدا باستحواذ الكرد على المالية في الإقليم، ولم تكتف بذلك بسياستها في العراق بل حاولت بتفشي سياسة الإخلال الوظيفي في الحكم والانقسامات الداخلية العميقة ، وتراكم المشكلات الاقتصادية دون حلول في الوقت الذي يمتلك العراق موار نفطية كبيرة مما أسهم في إيقاظ التوتر الطائفي والإقليمي والتشجيع على التطرف والإرهاب وانتشار الجريمة المنظمة التي تمهد إلى عودة التنظيمات الإرهابية المتمثلة بداعش خصوصا َ إن الجيش العراقي إلى ألان يعاني من ضعف في التسليح والخبرة في المجال ألاستخباري، وعليه فالولايات المتحدة الأمريكية تسعى لبقاء قواتها العسكرية لاعتبارات عدة أهمها السياسات الإقليمية والنفط والجغرافية السياسية، فضلا عن التركيبة السكانية هذه الركائز وتأثيراتها الإستراتيجية، تعد في غاية الأهمية، لضمان بقاءها ، وللحد من رفض فصائل المقاومة الشيعية لسياستها ولوجودها ،بأي شكل من الإشكال فأمريكا تسعى إلى تفتيت الشيعة كقوة متنامية وكقرار موحد لإدارة الدولة، مستغلة في ذلك الخلافات بين الإطراف لهذا سعت الولايات المتحدة إلى تقوية صف من يؤيدها ونبذ من يرفضها، بينما تجعل قبالة ذلك من السنة قوة حاضنة لتطلعاتها في استرداد الحكم والسلطة، لذلك فازدياد الفراغ الأمني وزيادة مستويات العنف والحرب الإعلامية التي يشنها الإعلام الأصفر ضد القوة الشيعية ، قد يودي إلى عدم الاستقرار السياسي وانهيار العملية الديمقراطية، وهذا ما ترغب به الولايات المتحدة التي عملت على قوتها الناعمة من خلال الربط بين أدواتها الإعلامية ودبلوماسيتيها لتحقيق أهدافها في سياسة التلفيق والتضليل على الحقائق .
خلاصة القول إن القوة الشيعية بكل قدراتها وإمكانياتها، ستكون القوة الضاربة للمشروع الأمريكي في العراق إذ توحد فيها القرار السياسي المتمثل بالابتعاد عن سياسة الإقصاء والتهميش والمحاصصة ،لبناء مشروع الدولة الحقيقي بكل مؤسساته الوطنية التي انهارت بسبب تفشي الفساد.

استجابة واحدة لـ “القوة الشيعية العراقية قوة ناعمة لفشل مشروع التقسيم الأمريكي”

  1. صورة أفاتار Sami Altameemi
    Sami Altameemi

    بورك قلمك يامبدعة أستاذ فاطمة . تحية لك

    إعجاب

اترك رداً على Sami Altameemi إلغاء الرد