
التصريحات الطائفية والإنتخابات
في المشهد السياسي العراقي .
سامي الفارس
في الجلسة الأخيرة للبرلمان العراقي،تحدث رئيسه بتصريحات طائفية استفزت الأعضاء وأثارت غضب الشارع العراقي .
مشهدٌ يعكس حقيقة مؤلمة: رغم المآسي التي عاشها العراق من عنف وتهجير وتفجيرات وإرهاب دموي، لا تزال بعض القوى السياسية تراهن على الخطاب الطائفي وتدويره مع كل دورة انتخابية، وكأن السنوات القاسية لم تكن درسًا في الوطنية وكافيًا في خطورة تقسيم المجتمع.
دخل العراق في عام 2005، مرحلة الانقسام الحاد، وتفاقمت الأوضاع مما سهل اجتياح تنظيم داعش الإرهابي عام 2014، الذي استهدف جميع المكونات دون تمييز. دماء الضحايا كانت شاهدة على أن الإرهاب لا يعرف مذهبًا ولا عرقًا، بل يضرب الوطن بحميع اطيافه ومكوناته .
في تلك اللحظة التاريخية المصيرية ، أصدرت المرجعية الدينية الحكيمة في النجف الأشرف فتواها الوطنية المضيئة التي دعت أبناء العراق كافة للدفاع عن الوطن، لا عن الطائفة. فتشكل الحشد الشعبي الوطني من مختلف الأطياف، وحقق النصر الكبير عام 2016، ليُثبت أن الوحدة أقوى من الفُرقة.
لكن، ومع كل إستحقاق انتخابي، تعود نفس اللعبة القديمة: خطاب تحريضي، شعارات تقسيمية، واستثمار في الخوف والذاكرة الجريحة لكسب الأصوات. الأسوأ أن هذه الأصوات كثيرًا ما تصدر عن سياسيين أمضوا سنوات في السلطة واستفادوا من خيرات العراق، ثم يعودون للمتاجرة بآلام الناس بدلاً من تقديم مشروع وطني حقيقي.
اليوم، لم يعد العراقيون كما كانوا قبل سنوات. وعي الناخب بدأ يتغير، والدليل أن العديد من الوجوه التي بنت حضورها على دغدغة المشاعر الطائفية سقطت في الانتخابات الأخيرة، بينما صعدت وجوه رفعت شعارات المواطنة والنزاهة ومحاربة الفساد. مشاهد مثل مسيرة الأربعين السير الى كربلاء المقدسة ، التي يشارك فيها السنة والشيعة والمسيحيون والإيزيديون والصابئة، تؤكد أن الشعب أوعى من بعض سياسييه، وأن الانتماء للعراق يتجاوز كل الانتماءات الضيقة.
العراق بلد متعدد المكونات، ولا يمكن أن يُدار بمنطق الانقسام.
الدولة القوية التي ينشدها العراقيون يجب أن تقوم على أسس المواطنة والقانون، لا على الزعامات التقليدية والولاءات الطائفية. ممثلو الشعب يجب أن يكونوا صوت الوطن كله، لا صوت طائفة أو مذهب.
هنا، تأتي المسؤولية الوطنية الكبرى للناخب العراقي: أن يغلق الباب أمام كل من يحاول إعادة إنتاج الطائفية، وأن يدرك أن الامتناع عن التصويت ليس حيادًا، بل مساهمة في استمرار الفشل. فصوتك ليس مجرد ورقة في صندوق، بل أمانة تحدد مصير وطنك.
صناديق الاقتراع هي ساحة التغيير السلمي، لكنها تصبح بلا قيمة إذا استُخدمت لإعادة نفس الوجوه ونفس الخطابات.
الناخب الواعي لا يُجامل بصوته ولا يبيعه، بل يضعه في يد من يستحق، في يد القادر على بناء دولة تحترم جميع مواطنيها.
لقد دفع العراقيون ثمن الطائفية دماءً ودمارًا، وحان الوقت لدفنها إلى الأبد.
المستقبل لا يُبنى على الماضي الجريح، بل على الأمل والمشاركة والعمل المشترك. إذا أردنا عراقًا قويًا يليق بتضحيات أهله، فعلينا أن نحسن الاختيار، وأن نحول الانتخابات من موسم للشعارات الطائفية إلى فرصة حقيقية للتغيير.
صوتك… مستقبل وطنك …مسقبل أبنائك ….
أضف تعليق