
دور الحكومات الانتقالية وصلاحياتها ..
د.علي أحمد جديد
أستاذ محاضر بالقانون الجزائي الدولي في (جامعة لندن التخصصية)
إن التحولات السياسية الكبرىٰ مرحلةٌ تعيشها الدول الخارجة من النزاعات الداخلية أو الثورات ، وتقوم فيها حكومة انتقالية لتكون أداة تسييرٍ مؤقت ، فلا تكون لهذه الحكومة الانتقالية سلطة التقرير المصيري قانوناً . وتُطرح في هذا السياق أسئلة مركزية تتعلق بحدود الشرعية التي تمارسها الحكومة الانتقالية ، مثل :
“هل يجوز لها أن تُوقِّع اتفاقيات استراتيجية أو أمنية ، أو تملك الحق في اتخاذ قرارات اقتصادية جذرية كخصخصة القطاع العام ؟” .
والإجابة علىٰ هذه التساؤلات لا تتعلق بالجانب القانوني وحده ، لأنها تَمسُّ جوهر التوازن بين الضرورة السياسية وبين احترام الإرادة الشعبية في رسم مستقبل البلاد .
ولأن المرحلة الانتقالية هي فترة تفصل بين سقوط نظام سياسي سابق وبين بناء نظام سياسي جديد يمحو سلبيات النظام السابق بعد انهيار سلطته ، أو عبر اتفاق سياسي لإنهاء نزاع مسلح ، تكون مهمتها الأساسية هي ضمان الانتقال السلمي المُنظَّم من حالة اللاشرعية أو الفوضى أو الاستبداد ، إلىٰ نظام شرعي مستقر يقوم علىٰ قواعد دستورية دائمة ، حيث تتولىٰ إدارة هذه المرحلة حكومة مؤقتة تُعرف باسم “الحكومة الانتقالية” تكون مهامها محدَّدة وواضحة ، ولا تشمل قانونياً اتخاذ قرارات استراتيجية أو مصيرية لا رجعة فيها ، ولأن مهمتها الأساسية الأولىٰ تتركز في الحفاظ علىٰ الأمن والاستقرار وضمان استمرار المؤسسات الحيوية في خدمة المواطن والمجتمع ، تمهيداً
لإطلاق عملية سياسية شاملة وكتابة دستور دائم جديد بعد الإعداد لانتخابات عامة حرة ونزيهة من خلال تأمين إدارة شؤون البلاد اليومية دون تغيير جذري في بنيتها السيادية أو الاقتصادية . والأهم ، أن تعمل علىٰ التمهيد لمصالحة وطنية شاملة ومعالجة آثار الصراع السياسي أو العقائدي والإثني .
ولا يمكن بناء المرحلة الانتقالية علىٰ توافق سياسي هَشٍّ باستبعاد أو تغييب وتهميش أي مكوِّنٍ من مكوِّنات المجتمع ، لأن الحفاظ علىٰ الحياد المؤسساتي والامتناع عن التورط في قضايا كبرىٰ سيبقىٰ من مقتضيات الحكمة والمسؤولية السياسية . كما تُعَدُّ الاتفاقيات الاستراتيجية ، الأمنية منها أوالعسكرية والتي هي من أبرز مظاهر السيادة الوطنية في رسم علاقات الدولة بمحيطها الإقليمي والدولي ، ولها تأثيرها الكبير علىٰ التوازنات العسكرية والاقتصادية المستقبلية ، وبالتالي علىٰ التوازنات الاجتماعية الداخلية . ولهذا ، فإن اتخاذ مثل هذه القرارات يجب أن يتم من خلال المؤسسات الدستورية الدائمة والمنتَخبَة التي تعبّر عن الإرادة الشعبية تعبيراً صحيحاً وصادقاً .
الحكومة الانتقالية ، وبوصفها سلطات مؤقتة ، لابد أن تكون عبر توافقات سياسية أو نصوص دستورية مؤقتة ، وتكون محدودة الشرعية والصلاحية من حيث التمثيل الشعبي ، لأنها تفتقر إلىٰ أساسٍ تفويضي وانتخابي مباشر . وبذلك يكون قيامها بتوقيع أي اتفاقيات استراتيجية تجاوزاً لصلاحياتها وباطلاً بطلاناً قانونياً لعدم وجود نص صريح أو توافر توافق وطني يُجيز لها القيام بذلك . لأن الحكومات الانتقالية وحسب القوانين الوطنية والدولية غير مُفوَّضَة بتقرير المصير الاستراتيجي للدولة ، ولأنها مُكلَّفة بإدارة المرحلة الانتقالية لتأمين الحد الأدنى من الاستقرار إلىٰ حين بناء الشرعية الدستورية المؤسساتية ، القضائية منها والتنفيذية .
ولهذا فإن الخصخصة ـ تحديداً ـ غير محدودة المخاطر في المرحلة الانتقالية ، ولأن الخصخصة نفسها في الظروف العادية تثير جدلاً واسعاً حول العدالة الاجتماعية ، وحول الكفاءة الاقتصادية ، وحماية المصلحة العامة ، فكيف إذا تمّت في سِياقٍ هَشٍّ الذي يكون عنوان المرحلة الانتقالية؟ ولأنه في الظروف الانتقالية ، تتضاعف المخاطر السياسية والاقتصادية والاجتماعية للخصخصة لعدة أسباب أبرزها :
- انعدام الرقابة الشعبية والمؤسساتية في ظل غياب برلمان منتخب أو مجلس تشريعي ومؤسسات رقابية مستقلة ، الذي يؤكد بأن القرارات المتعلقة ببيع الأصول العامة عرضة للتسرع أو للفساد أو التلاعب .
- تمكين شبكات النفوذ التي تدفع النخب السياسية أو العسكرية ، وحتى شبكات رجال الأعمال المرتبطين بالنظام السابق ، تدفع إلىٰ استغلال ضعف الحكومة الانتقالية للاستيلاء علىٰ مؤسسات القطاع العام بأسعار زهيدة ، مما يرسخ اقتصاد الريع والاحتكار .
- فقدان الأصول الاستراتيجية نتيجة بيع القطاعات الحيوية مثل الكهرباء أو الاتصالات أو المصارف أو المشافي العامة ، وهو ما يؤدي إلىٰ إضعاف سيادة الدولة الاقتصادية ويحدّ من قدرتها علىٰ ضبط السوق أو التدخل لمصلحة الطبقة الضعيفة التي هي أغلبية أكثر المجتمعات .
وبذلك تؤدي الخصخصة العشوائية إلىٰ تسريح أعداد كبيرة من العاملين ، وإلى رفع الأسعار وتقليص الخدمات ، فيتفاقم الفقر والاحتقان الاجتماعي ، وتتحول الخصخصة إلىٰ فرصة لغسيل الأموال ومكافأة الفاسدين بدل أن تُستعاد أموال الدولة المنهوبة وتُستثمر لصالح المصلحة العامة .
لذلك ، فإن الخصخصة في المرحلة الانتقالية لا يمكن أن تكون أداة إصلاح اقتصادي ، بل ستكون خطراً محتملاً علىٰ مستقبل مايتبقىٰ من الدولة إذا لم يتُم ضبطها بقواعد صارمة ومراقبة حقيقية ، وبتفويض شعبي واضح . ولا تختلف قضية الخصخصة من حيث الخطورة عن توقيع الاتفاقيات السيادية ، إذ تمثل الخصخصة – أي نقل ملكية أصول القطاع العام الذي هو ملكية المواطنين إلىٰ القطاع الخاص – قراراً استراتيجياً لا رجعة فيه ، وتترتب عليه تبعات اجتماعية واقتصادية وسياسية عميقة . وفي حالات كثيرة ، لا تعمل الحكومات الانتقالية تحت مظلة دستور دائم ، بل تستند إلىٰ إعلان دستوري مؤقت ومختصر يحدد الأطر العامة للسلطة . وهذا الإعلان الدستوري من الناحية القانونية لا يمنح أي صلاحيات لإعادة هيكلة الاقتصاد أو التصرف بأصول الدولة . وبالتالي ، فإن خصخصة القطاع العام خلال المرحلة الانتقالية تُعَدُّ مخالفة جنائية لمبدأ التقييد المؤقت للسلطة ، ولأنها تُستخدم كذريعة لتصفية القطاع العام و تمكين شبكات الفساد السياسي والاقتصادي .
إن أي قرار بالخصخصة خلال الفترة الانتقالية يجب أن يخضع لشروط صارمة ، من أبرزها :
- وجود هيئة تشريعية منتخبة بموجب توافق وطني واضح .
- شفافية تامة وإشراف قضائي ومجتمعي مستقل .
- حماية حقوق الطبقة العاملة ومنع الاحتكار .
- تقييد بيع القطاعات السيادية أو الحيوية (الكهرباء ، المياه ، الاتصالات ، المشافي العامة) وغيرها . كما أن توقيع اتفاقيات أمنية أو استراتيجية من قبل الحكومة الانتقالية يمثل تجاوزاً جنائياً لمهمتها المحدودة ، لأن الخصخصة قرار اقتصادي مصيري وهي ترتكب بذلك خرقاً للمبدأ القانوني بالتسيير المؤقت ، إذ تُلزِم الدولة بترتيبات طويلة الأمد دون تفويض شعبي أو إطار دستوري دائم .
إن فهم طبيعة الشرعية الانتقالية يفرض التمييز بين “إدارة المرحلة” وبين “رسم المصير” . والحكومات الانتقالية ليست مخوَّلة باتخاذ قرارات استراتيجية تَمسُّ جوهر السيادة الوطنية أو الملكية العامة دون سند دستوري واضح وتوافق وطني واسع . ومن هنا ، يتوجب علىٰ القوى السياسية والمدنية أن تُصر علىٰ تضمين أي بيان دستوري أو ميثاق وطني مبادئ واضحة تُقيِّد سلطة الحكومات الانتقالية وتمنعها من التصرف في القضايا المصيرية ، حفاظاً علىٰ حقوق الأجيال القادمة وضماناً للانتقال الآمن نحو الشرعية الدستورية بكتابة دستور دائم وإجراء استفتاء شعبي مؤيد لبنوده .
لأن الإعلان الدستوري مؤقت ادإلىٰ مدة محددة ويُقيِّد بوضوح صلاحيات الحكومة الانتقالية ، ويمنعها من توقيع اتفاقيات استراتيجية أو تنفيذ مشاريع خصخصة إلا بعد قيام مؤسسات شرعية مُنتخَبَة ودائمة .
ومن المهم العمل علىٰ إنشاء لجان رقابة مستقلة وهيئات رقابة انتقالية مستقلة تضم ممثلين عن النقابات والمجتمع المدني وخبراء اقتصاديين لمراقبة أداء الحكومة ومنع التجاوزات . وتطالب بنشر كل العقود والاتفاقيات التي تُوقع خلال المرحلة الانتقالية ، وتمكين الإعلام والمجتمع من مناقشتها ومحاسبة المسؤولين عنها . وكذلك الدعوة إلىٰ تجميد أي خطوات تتعلق بالخصخصة أو بالتحالفات الاستراتيجية طويلة الأمد إلىٰ ما بعد انتخاب برلمان ومجلس تشريعي منتخَب شعبياً من كافة الشرائح والمكونات المجتمعية يعمل علىٰ إقرار دستور دائم .
وإن تثقيف المجتمع بحقوقه الاقتصادية والسيادية يؤدي إلىٰ توعية المواطنين بأهمية حماية القطاع العام وموارد الدولة خلال المرحلة الانتقالية المؤقتة ، وربط قضايا الاقتصاد بالسيادة والاستقلال الوطني الذي يتبلور بوضع رؤية اقتصادية انتقالية مؤقتة بديلة عن الخصخصة تركّز على دعم الاقتصاد المحلي ، وإنعاش المشاريع الصغيرة، والحفاظ على القطاع العام كمصدر استقرار إلىٰ حين إعادة البناء الشامل .
بهذه الخطوات ، يمكن للمجتمع السياسي والمدني أن يكون المُوجِّه في المرحلة الانتقالية نحو إصلاح حقيقي يحمي الدولة من إعادة إنتاج الفساد أو الارتهان ، ويمهّد لبناء شرعية شعبية راسخة وديمقراطية حقيقية .
أضف تعليق