
إلى الأدباء والمثقفين والمفكرين والفنانين والصحفيين والقدوات
فاسم الغرواي
أنتم حُرّاس المعنى في زمنِ الضجيج، وصُنّاع الوعي في عصر تتزاحم فيه الصور وتضيع فيه القيم.
أنتم الذين ما زلتم تؤمنون بأن الأدب ليس ترفاً والثقافة ليست هامشاً والفن ليس زينةً عابرة، بل هي روحُ الأمة، وذاكرتها، وبصمتها التي تدلّ على رقيّها وحضارتها.
لكنّ المؤلم أن كثيراً منكم يعيش اليوم في عزلةٍ قسرية داخل عالمه الخاص بعدما تخلّى عنكم قادة السياسة ، وغابت أسماؤكم عن ذاكرة جيلٍ وُلد بعد التغيير ولم تُتح له فرصة التعرّف على قاماتٍ صنعت الوعي وأسهمت في تشكيل الهوية الوطنية.
لقد أصبح المبدع في وطنه أشبه بمنارةٍ مطفأة؛ موجودٌ، لكنه خارج دائرة الاهتمام ، لا لأن أثره تراجع، بل لأن أصحاب القرار والتشريع اختاروا أن ينشغلوا بحسابات السلطة ومصالح النفوذ على حساب العقول التي تصنع الوعي، والأقلام التي تحفظ ذاكرة الوطن.
إنّ من المؤسف أن تُسنّ القوانين وتُرسم السياسات من دون أن يكون للثقافة موقعٌ حقيقي فيها، وأن تُخصَّص الموارد للمظاهر بينما يُترك الأدباء والمثقفون والفنانون لمواجهة التهميش والنسيان.
كيف يمكن لسلطةٍ تدّعي بناء الدولة أن تُغفل دور الفكر في بنائها؟ وكيف لمشرّعين يرفعون شعارات الإصلاح أن يتجاهلوا النخب التي تُصلح العقول قبل المؤسسات؟
إنّ إهمالكم ليس مجرد تقصير إداري، بل هو انعكاسٌ لخللٍ عميق في فهم معنى الدولة؛ فالدولة التي لا تكرّم مثقفيها ولا تصون إرث مبدعيها ولا تستثمر في فنّانيها، إنما تُضعف هويتها وتُفرّط في قوتها الناعمة أمام الأجيال القادمة.
ومع ذلك ما زلتم ثابتين .. تحملون أقلامكم كمن يحمل رسالة وتحرسون الجمال كمن يحرس وطناً ، وتؤمنون بأن الأمم لا تُقاس فقط بما تبنيه من عمران، بل بما تحفظه من فكر، وما تكرمه من مبدعين.
رسالتكم أبقى من ضجيج السياسة وأعمق أثراً من كل المناصب العابرة وأما الذين أهملوا الثقافة وأهلها فعليهم أن يدركوا أن الأوطان لا تُبنى بالقرارات وحدها، بل تُبنى أيضاً بالكلمة والفكرة، وبالإنسان الذي يزرع الوعي في زمن الغفلة.
اترك رد