
المِـــيــثـــــاق الغــــــليــــــظ
القصاد صالح حباسي
مِـيـثَـاقُنا عَــهْـدُ الـوَفَـاءِ الـمُـحْكَمِ
نُــــورُ الــحَـيَـاةِ وَمَـنْـهَـجٌ لِـتَـنَـظُّمِ
رَبَـــطَ الـقُـلُـوبَ بِـرَحْـمَـةٍ وَمَــوَدَّةٍ
وَغَــدَا الـسُّـكُونُ بِـظِـلِّهِ لَــمْ يُـعْدَمِ
بَـيْـتٌ يُـشَـيَّدُ بِـالـصَّـــدقِ وَالـتُّـقَى
وَيَـسُـودُهُ خُـلُـقُ الـرِّضَـا الـمُـتَقَدِّمِ
فِـيـهِ الـكَـرَامَةُ وَالـعُـهُودُ مَـصُـونَةٌ
وَالـعِـزُّ يَـسْـمُو فَــوْقَ كُــلِّ مُـهَضَّمِ
لَــكِــنْ إِذَا سَـــادَ الـتَّـفَـرُّقُ بَـيْـنَـهُمْ
ظَــهَـرَ الـشِّـقَاقُ بِـمَـظْهَرٍ مُـتَـجَسِّمِ
غَـابَـتْ حَـقَائِقُ قَـبْلَ عَـقْدٍ وَاضِـحٍ
فَـغَـدَا الـمَـآلُ كَـمَـوْجِ بَـحْـرٍ مُـلْطِمِ
وَالــطِّـفْـلُ بَــيْـنَ نِـزَاعِـهِـمْ مُـتَـأَلِّـمٌ
يَـبْـكِي الـفِـرَاقَ بِـصَـمْتِهِ الـمُـتَكَتِّمِ
أَبٌ يُــضَـيِّـعُ حَــقَّــهُ فِــــي غَـفْـلَـةٍ
أَوْ يَـسْـتَـحِلُّ الأَذَى بِـقَـلْبٍ مُـظْـلِمِ
وَالأُمُّ تَـحْـمِلُ فِــي الـحَيَاةِ مَـشَقَّةً
وَتَــظَـلُّ مِـــرْآةَ الـحَـنَـانِ الأَعْـظَـمِ
وَرُبَّ قَــلْــبٍ آثَــــرَ الأَبْــنَــاءَ فِـــي
تَــرْكِ الـقَـرِيبِ لِـعَـيْشِهِمْ الـمُـنْتَظِمِ
فَـالـزَّوَاجُ إِنْ صَـلُحَ اسْـتَقَامَ بِـنَاؤُهُ
وَإِذَا فَــسَـدْنَ دَعَــائِـمٌ لَـــمْ تَـسْـلَمِ
فَـاتَّـقُـوا الإِلٰهَ بِـعَـهْدِكُمْ وَتَـمَـسَّكُوا
بِالحَقِّ وَاسْعَوْا فِي الطَّرِيقِ الأَقْوَمِ
لماذا سُمّي الزواج “ميثاقًا غليظًا”؟
لأنّه ليس علاقة عابرة، ولا ارتباطًا مؤقتًا، بل عهدٌ مُحكم بين طرفين، يقوم على الالتزام وتحمل المسؤولية، وعلى الصدق في المعاشرة وحفظ الحقوق.
هو ميثاق تُبنى عليه حياة، وتُحفظ به كرامة، وتُصان فيه القلوب قبل الأجساد.
وقد وصفه القرآن بـ”الميثاق الغليظ”، وهو وصف لم يأتِ عبثًا، بل ليدل على ثقله وعِظم شأنه، كما وُصف به ميثاق الأنبياء ومواثيق الأمم.
ومن معانيه: السكن، والمودة، والرحمة، وأن يجد كلٌّ من الزوجين في الآخر طمأنينته، وأن يجتمعا على خير في الدنيا، ورجاء اللقاء في الآخرة.
غير أنّ واقعنا اليوم يشهد تفشّي الطلاق بشكلٍ مقلق، لأسباب يعرفها كثير من الناس: غياب التكافؤ، وإخفاء الحقائق قبل الزواج، والكذب، والطمع، وانعدام الاحترام، وتعاطي المحرمات، والخيانة… وغيرها.
والأشد ألمًا أن الضحية الأولى في كل هذا هم الأطفال.
يكبرون وهم بين طرفين متنازعين، كلٌّ يشدّهم إليه، أو يتخلّى عنهم، فيضيع التوازن الذي كانوا في أمسّ الحاجة إليه.
ومن المؤسف أن بعض الآباء لا يفصل بين خلافه مع زوجته وبين أبوّته، فيحمّل أبناءه ما لا ذنب لهم فيه، وقد يصل الأمر إلى الجفاء أو القطيعة.
بل إنّ في الناس رجالًا فقدوا من الإنسانية ما يجعلهم ينسون أنهم آباء، فيقسون على أبنائهم أو يتخلّون عنهم لأسباب لا تبرر هذا التجرّد.
وفي المقابل، هناك من يختار مصلحة أبنائه على نفسه، فيتركهم عند أمهم وهو يعلم أن ذلك أصلح لهم، وهذا وجه آخر من وجوه الرحمة، وإن كان موجعًا.
أما الأم، فغالبًا ما تبقى الأقرب إلى أبنائها، تصبر وتتحمل ولا تتخلى عنهم، حتى في أشد الظروف. وقد توجد حالات استثنائية نادرة، تدفعها ضغوط قاسية أو ظروف نفسية واجتماعية شديدة إلى قرارات مؤلمة، لا تكون في أصل طبيعتها، بل فوق طاقتها، حين تمسّ كرامتها أو إنسانيتها.
في النهاية، الزواج إن صلح كان بناءً للأمة، وإن فسد كان هدمًا لها.
فليتقِ الله كلٌّ من الزوجين في هذا الميثاق، وليتذكرا أن ما بينهما ليس خصومة عابرة، بل أمانة لها أثرها في قلوبٍ صغيرة لا ذنب لها.
نسأل الله أن يؤلّف بين قلوب الأزواج، ويجعل بينهم مودة ورحمة، ويبعد عنهم الشيطان وما يفرّق بينهم

اترك رد