المواطن في دولة النفوذ والإذلال


حين تراجع مؤسسة حكومية كمواطن عادي لا تحمل صفة رسمية ولا تملك حماية حزب متنفذ ولا تقف خلفك جهة سياسية مرعبة تكتشف سريعا أن أبواب الدولة ليست مفتوحة للجميع كما يقال بل هناك أبواب خاصة تفتح بالإشارة والواسطة والخوف وأبواب أخرى تغلق بوجه الفقراء والبسطاء وأصحاب الحقوق.
ذهبت إلى إحدى المؤسسات التي يتحدث الناس عن مهنيتها وإنسانيتها وخدمتها للمواطن لكن الواقع الذي شاهدته كان صادما ومؤلما إلى حد الإهانة. حيث تعرقلت معاملتي من قبل الموظف المختص طالبا مني ان أعيد كل الإجراءات المطلوبة التي سبق وأن انجزتها ، ولكن الصدفة ان يأتي شخص متنفذ ليقدم طلبا شفهيا لإنجاز معاملة شخص ينتمي الى جهة سياسية لها نفوذ مؤثر فكانت الاستجابة سريعة وقدمت له كل التسهيلات من قبل جميع الموظفين، وكان هذا الموقف حافزا للموظف ان ينجز معاملتي لأنه وقع في حرج شديد .
وهنا نقول ان الموظف الذي يفترض أن يكون خادما للناس تحول إلى حاجز صد يبحث عن أي ملاحظة أو نقص أو حجة لتعطيل المعاملة وكأن المواطن جاء ليستجدي حقا شخصيا منه لا ليطالب بحق قانوني تكفله الدولة.
المشكلة ليست في الروتين وحده بل في عقلية الاستعلاء التي يتعامل بها بعض الموظفين مع المواطن البسيط تشعر وكأن المطلوب منك أن تنحني أن تتوسل، أن تظهر ضعفك حتى يتم النظر في معاملتك. أما إذا كنت مدعوما من جهة حزبية أو تحمل اسما يخشاه الجميع فالقوانين نفسها تصبح مرنة والإجراءات المعقدة تتحول إلى دقائق معدودة وحتى المعاملات غير الأصولية يتم ترتيبها إرضاء لتلك الجهة المتنفذة.
والأكثر مرارة أن بعض الجهات السياسية التي يفترض أن تكون مهمتها الدفاع عن حقوق الناس وحماية كرامتهم تحول بعض المنتمين إليها إلى أدوات ضغط وترهيب داخل مؤسسات الدولة بدل أن يكون وجودهم سندا للمواطن المظلوم حيث أصبح اسم الجهة أو الحزب يستخدم أحيانا لتجاوز القانون وتخويف الموظفين وتمرير ما لا يمرر لغيرهم. وهنا تتحول الدولة من دولة مؤسسات إلى دولة نفوذ ويصبح المواطن البسيط الحلقة الأضعف دائما .
أي دولة هذه التي يهان فيها المواطن الشريف بينما تفرش السجادة الحمراء للمتنفذين؟
أي عدالة هذه التي تجعل الموظف يرتجف أمام صاحب النفوذ ويتجبر على المواطن الأعزل؟
المؤسسات الحكومية وجدت لخدمة الناس لا لإذلالهم وان الوظيفة العامة ليست وسيلة لاستعراض السلطة على المراجعين وليست فرصة للانتقام من المجتمع بسبب عقد نفسية أو شعور بالنقص أو خوف من المتنفذين. الموظف الحقيقي هو من يحترم الجميع بنفس المستوى لا من يغير صوته وملامحه بحسب هوية الشخص الذي يقف أمامه.
المؤلم أكثر أن بعض المؤسسات أصبحت تدار بعقلية “من تعرف” لا “ما هو حقك”. المواطن البسيط يدخلها خائفا متوترا يتوقع الإهانة قبل إنجاز معاملته بينما يدخل صاحب النفوذ بثقة كاملة لأنه يعرف أن القانون لن يطبق عليه كما يطبق على الآخرين.
هذه الازدواجية تقتل ثقة الناس بالدولة وتصنع شعورا خطيرا بأن الوطن لم يعد للجميع بل لفئة محمية فقط. وعندما يشعر المواطن أن كرامته تداس كل يوم داخل المؤسسات الرسمية فإن الانتماء نفسه يبدأ بالتآكل لأن الإنسان لا يمكن أن يحب جهة تهينه وتتعامل معه كمواطن درجة عاشرة.
نحن لا نطالب بمعجزات بل نطالب بدولة تحترم الإنسان وبمؤسسات تتعامل مع الجميع بعدالة وبموظفين يدركون أن الكرسي الذي يجلسون عليه ليس ملكا شخصيا لهم بل أمانة لخدمة الناس. فالدول لا تقاس بعدد مبانيها وشعاراتها بل بطريقة تعاملها مع أضعف مواطنيها.

اترك رد


اكتشاف المزيد من جريدة الأقلام الدولية International pens newspaper

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading