
حرائق الغابات… أم حرائق العقول؟
يونس عبد الحفيظ
في كل صيف، ومع أول دخان يتصاعد من غابة جزائرية، يخرج علينا من يريد أن يفرض حالة طوارئ على العقول قبل أن يفرضها على الأرض. فجأة تصبح القصيدة تهمة، والمسرحية استفزازًا، والندوة الثقافية خيانة لآلام الناس، وكأن المثقف هو المسؤول عن ارتفاع درجات الحرارة، أو أن إلغاء أمسية شعرية سيطفئ النيران المشتعلة في الجبال.
هذا المنطق ليس دفاعًا عن الوطن، بل هو تكريس لثقافة الوصاية. فكل أزمة تتحول إلى ذريعة لتضييق الفضاء الثقافي، وكل رأي مختلف يصبح محل شبهة، وكل مبادرة مستقلة تُقابل بسيل من التخوين والتحريض. وهكذا ننتقل من مواجهة حرائق الغابات إلى إشعال حرائق أخطر منها… حرائق الفكر.
لقد أصبح بعضنا يفسر كل كارثة بمنطق المؤامرة، وكأن العلم لم يعد موجودًا، وكأن التغيرات المناخية التي تضرب العالم لا تعنينا. فقبل أن تنتهي التحقيقات، تُوزع الاتهامات، وتُصدر الأحكام، ويُقدَّم الرأي الشخصي على أنه حقيقة مطلقة. وهذه ليست ثقافة دولة، بل ثقافة انفعال لا تبني وطنًا ولا تحمي مجتمعًا.
الدول القوية لا تقيس قوتها بعدد الأصوات التي تصرخ، بل بقدرتها على حماية مؤسساتها، واحترام القانون، وصون فضاءاتها الفكرية. ففي أصعب الكوارث التي عرفتها دول كبرى، لم تغلق المكتبات، ولم تتوقف الجامعات، ولم تُتهم الثقافة بأنها ترف أو خيانة، لأن تلك الأمم تدرك أن الإنسان لا يعيش بالخبز وحده، بل يعيش أيضًا بالفكر والمعرفة والأمل.
ولننظر إلى غزة، حيث يحاول الاحتلال أن يمحو الإنسان والحجر والذاكرة، ومع ذلك يصر الفلسطينيون على إقامة الأعراس، وإحياء الأمسيات الأدبية، وإنتاج الأفلام والموسيقى. إنهم يقاومون بالسلاح عندما يفرض عليهم القتال، ويقاومون بالثقافة عندما يحاول العدو اغتيال هويتهم. فهم يعلمون أن الأمة التي تتوقف عن الإبداع، تبدأ رحلة الهزيمة حتى قبل أن تخسر المعركة.
إن الخطر الحقيقي على الجزائر ليس أمسية شعرية، ولا معرض كتاب، ولا ملتقى ثقافي. الخطر الحقيقي هو أن تتحول عقلية التخوين إلى ثقافة عامة، وأن يصبح الاختلاف جريمة، وأن يحتكر بعضهم الوطنية ويوزع صكوكها على الناس بحسب أهوائه.
الوطن لا يحتاج إلى أوصياء على الضمائر، بل يحتاج إلى رجال إطفاء يحمون الغابات، وإلى علماء يدرسون أسباب الكوارث، وإلى إعلام مسؤول ينقل الحقيقة، وإلى مثقفين يزرعون الوعي بدل الخوف. فالدول الحديثة لا تخشى الكلمة الحرة، لأنها تعلم أن الأفكار تُناقش بالحجة، لا بالصراخ، ولا بالتخوين، ولا بمحاكم التفتيش الجديدة التي انتقلت من ساحات السياسة إلى منصات التواصل الاجتماعي.
إن الأمم لا تنهار حين تحترق غاباتها، فالأشجار تنبت من جديد. لكنها تنهار عندما تحترق عقول أبنائها، وعندما يصبح التفكير المستقل تهمة، والنقد جريمة، والثقافة نشاطًا مشبوهًا. يومها لن تكون الحرائق في الغابات هي أكبر مصائبنا، بل ستكون الحرائق التي أشعلناها بأيدينا في عقولنا ومستقبلنا.
اترك رد