
السيادة لا تصان ببيانات الاستنكار
عامر جاسم العيداني
في عالم السياسة لا تكفي بيانات الإدانة لحماية سيادة الدول ولا تقاس هيبة الحكومات بعدد العبارات المنددة بل بقدرتها على تحويل الاعتداءات إلى ملفات قانونية وسياسية تلاحق المعتدين في كل المحافل الدولية.
العراق أعلن رسمي أن الهجوم الذي استهدف الأراضي السعودية لم ينطلق من أراضيه كما نفت فصائل المقاومة الإسلامية مسؤوليتها عنه. وبذلك سعت بغداد إلى نفي أي مبرر يمكن أن يستخدم لاتهامها أو تحميلها مسؤولية التصعيد الإقليمي.
لكن في المقابل تعرضت مقرات الحشد الشعبي لضربات جوية من قبل الولايات المتحدة والسعودية واعلنت عن ذلك بصراحة، واكتفت الحكومة العراقية بإصدار بيانات استنكار من دون الإعلان عن تقديم شكوى رسمية إلى مجلس الأمن الدولي أو جامعة الدول العربية أو منظمة التعاون الإسلامي وهي خطوة كانت ستمنح العراق موقفا قانونيا وسياسيا أكثر صلابة حتى لو لم تفض إلى قرارات ملزمة.
إن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: لماذا لم تتحرك بغداد دوليا؟
هل يعود ذلك إلى حسابات سياسية معقدة ورغبة في عدم الاصطدام بواشنطن أو ببعض الدول المؤثرة؟ أم أن الحكومة تعتقد أن الاتصالات الهادئة أكثر جدوى من التصعيد العلني؟ أم أن العراق ما زال يجد نفسه أسيرا لتوازنات إقليمية ودولية تحد من قدرته على اتخاذ مواقف أكثر حزماً؟
قد تكون لكل هذه الاحتمالات وجاهتها لكن الرأي العام لا ينظر إلى ما يدور خلف الأبواب المغلقة بل إلى ما يراه على أرض الواقع. وعندما يقتصر الرد على بيانات استنكار فإن كثيرين سيفسرون ذلك على أنه عجز أو تردد أو قبول بالأمر الواقع حتى لو كانت لدى الحكومة مبرراتها.
إن اللجوء إلى مجلس الأمن أو الجامعة العربية ليس إعلانا للحرب بل هو ممارسة لحق سيادي تكفله المواثيق الدولية وقد لا يحقق العراق حكما يدين المعتدين بسبب موازين القوى الدولية لكنه على الأقل يثبت رسميا أنه لم يصمت ولم يتنازل عن حقه ولم يسمح بأن تطوى القضية بمجرد بيان.
إن أخطر ما تواجهه الدول ليس الاعتداء بحد ذاته وإنما اعتياد الآخرين على أن ردود أفعالها لن تتجاوز حدود البيانات فعندما يغيب التحرك القانوني والدبلوماسي قد تتولد لدى البعض قناعة بأن كلفة انتهاك السيادة العراقية محدودة وهو ما لا يخدم مكانة الدولة ولا مصالحها.
إن العراقيين لا يطالبون حكومتهم بالمغامرة العسكرية ولا بإشعال نزاعات جديدة وإنما يطالبونها باستخدام كل أدوات الدولة للدفاع عن سيادتها وفي مقدمتها القانون الدولي والدبلوماسية فالدولة القوية هي التي تحسن إدارة الأزمات لكنها في الوقت نفسه لا تسمح بأن تتحول بيانات الاستنكار إلى بديل دائم عن الفعل.
فسيادة الأوطان لا تحفظ بالصمت ولا تصان بالمجاملة السياسية بل بالمواقف الواضحة والإجراءات التي تؤكد أن العراق دولة ذات سيادة تعرف كيف تدافع عن حقوقها وتتمسك بها أمام العالم.
اترك رد