
أخطر احتلال… أن تحتل وعي الشعب
عباس النوري
لم يعد الاحتلال في هذا العصر يحتاج إلى جندي يقف عند باب المدينة، ولا إلى دبابة تجوب الشوارع، ولا إلى طائرة تحلق في السماء.
الاحتلال الحديث أكثر ذكاءً… وأكثر هدوءًا… وأكثر دوامًا.
إنه يبدأ عندما يقتنع المواطن بأن وطنه لا يستحق الدفاع عنه، وأن جميع قادته فاسدون، وأن كل مشروع إصلاح مجرد كذبة، وأن لا أمل في المستقبل.
هنا ينتصر الاحتلال، حتى لو غادر آخر جندي أرض البلاد.
في نظرية عصر التزييف أطرح فكرة مفادها أن الهيمنة الحديثة لا تعتمد على احتلال الأرض بقدر اعتمادها على احتلال الوعي. فالعقول التي تفقد قدرتها على التمييز تصبح أكثر قابلية للقيادة من الخارج، وأكثر استعدادًا للاستسلام دون مقاومة.
ومن هذا المنطلق أرى أن استمرار الفساد سنوات طويلة دون محاسبة جادة لا يقتصر أثره على نهب المال العام، بل يؤدي إلى نتيجة أخطر بكثير، وهي تدمير الثقة بين المواطن ودولته. وعندما تنهار الثقة، ينهار معها الاستعداد للدفاع عن المؤسسات، ويصبح المجتمع مفككًا يسهل التأثير عليه.
لقد تحولت معركة هذا العصر من السيطرة على الحدود إلى السيطرة على الإدراك.
ومن هنا يبرز السؤال الكبير:
من المستفيد من بقاء العراق دولة منهكة؟ ومن المستفيد من أن يقتنع المواطن بأن جميع السياسيين متشابهون، وأن النزاهة مستحيلة، وأن القضاء عاجز، وأن الإصلاح مجرد شعار؟
إذا كان الفساد يُترك ليستمر، وإذا كانت شبكاته لا تُفكك، فإن النتيجة الطبيعية هي ولادة جيل لا يؤمن إلا باليأس، ولا يرى في وطنه سوى ساحة للصراع. وهذه النتيجة، سواء جاءت بفعل إخفاقات داخلية أو باستثمار قوى خارجية لها، تخدم كل من يريد عراقًا ضعيفًا لا عراقًا قويًا.
إن أخطر سرقة ليست سرقة النفط ولا الأموال…
بل سرقة ثقة المواطن.
وأخطر جريمة ليست إسقاط حكومة…
بل إسقاط إيمان الشعب بوطنه.
وأخطر تزييف ليس تزوير الانتخابات…
بل تزوير الوعي حتى يصبح المواطن حارسًا للهزيمة وهو يظن أنه يدافع عن الحقيقة.
لهذا فإن معركتنا ليست مع الفاسد وحده، بل مع كل خطاب يصنع اليأس، وكل مشروع يقتل الثقة، وكل قوة تريد للعراقي أن يعيش مقتنعًا بأن الفساد قدر، وأن الوطن لا يمكن أن ينهض.
لا…
العراق لا يسقط عندما تُنهب أمواله.
العراق يسقط عندما يفقد أبناؤه إيمانهم به.
وهذه هي أخطر معارك عصر التزييف.
اترك رد