وليمة الخزامى: قصة
ابراهيم عثمان الجزائر
قصة صوفية فلسفية مجنونة
هذا الصباح، لم أذهب إلى حقل الخزامى كعادتي.
ذهبت إلى نفسي.
كنت أظن أن الطريق يقود إلى حقل أرجواني، فإذا به يقودني إلى جهة لم تكن في الخرائط.. جهة تسكن خلف القلب، حيث لا أسماء للأشياء، ولا حدود بين الإنسان والزهرة، ولا بين العطر والذكرى، ولا بين الأرض والسماء.
هكذا كنت أفكر طيلة الليلة الماضية.
وحين وصلت، كاننت نبتة الخزامى هناك.. بحرا من البنفسج.. موجا لا ماء فيه.. قصيدة لم يكتبها شاعر، وإنما كتبتها الأرض حين تعبت من الكلام.
وفي الأول وقفت مذهولا.
كانت الشمس تنثر أشعتها الذهبية فوق السنابل، المتمايلة كأنها في صلاة سرية. أما الفراشات فكانت تطير من زهرة إلى زهرة، بينما النحل كان يغوص في الأعماق كأنه يبحث عن سر الخليقة.
قلت للنحلة:- ماذا تفعلين؟
لم تجب في البداية
تسللت داخل الزهرة، وبعد لحظات خرجت منها محملة بعطرذا رائحة فواحة.
فهمت القصة.
إن بعض الأجوبة لا تقال، بل تُشم.
مشيت بين الصفوف.
كل زهرة كانت تقول لي:
اقترب… اقترب أكثر…فأنا لست زهرة..
أنا لحظة من عمرك.
وكادت هذه العبارة تهزني من شدة بلاغتها.. فكم من الأشياء الجميلة مرت بنا ولم ننتبه لذلك؟
وكم من العطور عبرت أرواحنا ثم تركتنا نبحث عنها في زجاجات صغيرة مصنع في مصانع الخواص؟
وكم من صباح ظنناه صباحا عاديا، بينما كان يحمل لنا آخر نسخة من شيء لن يعود؟
أدركت فجأة أن الخزامى لا تعيش طويلا.. تزهر…ثم تحصد..تجف…ثم تقطر.. تتحول…ثم تصبح عطرا.
وكأن النبات يعرف قبلنا قانون الوجود:
لا شيء يبقى على صورته الأولى.
حتى الإنسان.
حتى الحب.
حتى الحزن.
حتى نحن.
جاءت سيدات من بعيد.. ضحكاتهن سبقت خطاهن.. دخلن الحقل كأنهن يدخلن عرسا. لم يكن الحصاد موتا للزهور، بلكان احتفالا بها.
كانت الأيدي تقطع السنابل بسرعة خوفا من الجراد، لكنها لم تكن تقتلها؛ كانت تنقلها من شكل إلى شكل.
ولأول مرة فهمت معنى الصوفية التي عجزت الكتب عن شرحها:
الفناء ليس دائما نهاية.
أحيانا يكون الطريق الوحيد إلى صورة أخرى من البقاء.
وهناك رأيت امرأة تصنع تاجا من زهرة الخزامى، وأخرى تنسج سلة.. وثالثة تجمع الباقات وتربطها بأشرطة زاهية..
ورابعة تصنع الصابون..وخامسة تشعل شمعة.
أما أنا فكنت أراقبهن في صمت،
وأقول في سري: ما أعجب الإنسان!..
يأخذ زهرة صغيرة من التراب، ثم يحاول أن يصنع منها بيتا للروح.
لكن زهرة الخزامى الزاوية كانت تضحك..نعم كانت تضحك.
أقسم أنني سمعتها تضحك من غبائي.
قالت لي:
— أيها الإنسان، لماذا تبحث عن الروح في السماء؟
قلت: – وأين هي؟
قالت:- في الأشياء التي تلمسها ولا تراها.
ثم سكتت.
كانت رائحة الخزامى تملأ المكان.
فجأة اختفى الحقل.. اختفت النساء..
اختفت الفراشات.. اختفى النحل..
واختفى جسدي.
وجدتني في فضاء أرجواني لا بداية له ولا نهاية.
كان العطر هو اللغة وكانت اللغة هي العطر.. وكان الصمت كتابا مفتوحا بين الناس.. وكانت كل زهرة نجمة.. وكل نجمة قطرة عطر.
سمعت صوتا لا أعرف من أين جاء:
– ماذا تريد؟
قلت:- أريد أن أعرف معنى الحياة.
ضحك الصوت وقال:
– لو عرفت معنى الحياة، لانتهت حياتك.
قلت:- إذن ماذا أفعل؟
قال:- عش السؤال.
عندها فهمت لماذا يظل الإنسان مسافرا.
نحن لا نبحث عن الإجابات.
نحن نبحث عن أنفسنا التي ضاعت بين سؤال وسؤال.
وحين عدت إلى الحقل، كان الحصاد قد انتهى.
جمعت السنابل في مكان جاف، بعيدا عن الضوء.
قلت:- لماذا نخفيها عن الشمس؟
فقالت امرأة تتغزل بشعرها:- لأن لكل مرحلة نورها.
يا لهذه الجملة المهربة!
جلست طويلا لأفكر.
الضوء يؤذي.. الحب يؤذي.. والحقيقة تحرق.
وليس كل ما يضيء صالحا لأن نعيش تحته.
ثم جاءت المرحلة الأخرى الخاصة للتجفيف.
قلت:- لماذا هذا التعب المضني؟
قال زهرة الخزامى:
— لكي تتعلم كيف تفقد الماء دون أن تفقد روحك.
كدت أبكي.
أيا زهرة الخزامى الجميلة!
من علمك فلسفة الفقد؟
من أخبرك أن الإنسان أيضا يجف من كثرة ما يفقد؟
لكنني أدركت شيئا آخر:
كلما فقد النبات ماءه، ازدادت إمكانية أن يحمل عطره.
ربما نحن أيضاً كذلك.
ربما بعض الآلام لا تأتي لتكسرنا، بل لتستخرج من أعماقنا عطرا لم نكن نعرف أنه موجود.
ثم يأتي التقطير.. تدخل زهرة الخزامى النار.. يخرج منها الزيت.
تدخل الزهرة في تجربة قاسية، فتخرج منها خلاصة.
وهنا صرخت:
– يا إلهي!
أليست هذه قصتنا؟
نُلقى في نار الأيام.
نُعصر بين الفقد والانتظار.
نُسحق تحت أقدام الزمن.
ثم، إن نجونا، نخرج أكثر صفاء.
ليس لأن النار رحيمة…
بل لأن الروح تعرف كيف تحول المحنة إلى عطر.
في تلك اللحظة، لم تعد زهرة الخزامى نباتا.. صارت معلما.. وصارت السنابل كتبا..وصار الحصاد صلاة.. وصار العطر ذاكرة.. وصارت الأرض أما.. وصار الإنسان زهرة مؤجلة الحصاد.
وحين هممت بالمغادرة، انحنيت أمام أول سنبلة.
قلت لها: – سامحيني.
قالت:- على ماذا؟
قلت:- لأنني لم أعرفك إلا بعد أن قطعتك.
فضحكت وقالت:- لا تحزن أنا لم أمت..
أنا الآن في الهواء.
رفعت رأسي.
كان العطر يعبر المكان.
في أنفي.. في صدري.. في ذاكرتي.
وفي مكان بعيد من الروح.
وفهمت أخيرا:
أن الأشياء الجميلة لا تختفي.
إنها فقط تغير شكل حضورها.
فالزهرة تصبح عطرا.. والصوت يصبح ذكرى.. والإنسان يصبح حكاية.
والحب يصبح أثرا.. والحياة تصير سؤالا معلقا في الهواء.
ومنذ ذلك اليوم، كلما شممت زهرة الخزامى، لا أتذكر الحقل.
أتذكر نفسي…وأتذكر أنني، مثل تلك الزهرة، أمضي إلى حصادي.
وأن ما أخشاه من النهاية قد تكون بداية سرية لوجود آخر.
لذلك لم أعد أخاف من حصاد زهرة الخزامى.
فربما كان الموت نفسه تقطيرا أخيرا للروح.
وربما، حين يجف الجسد، يبقى العطر.
وربما، حين نصمت، يبدأ صوتنا الحقيقي.
وربما حين نظن أننا انتهينا، نكون قد بدأنا أخيرا.
ومن بعيد، سمعت النحلة تطن.
لم أعرف أكانت تناديني أم تضحك مني.. لكنني ابتسمت. ومضيت.
وفي يدي… لم تكن هناك زهرة.
كان هناك عطر.

اترك رد