حين يخلع الموتُ قميصَ الوطن

من يوسف إلى الشهيد :
عنف الصورة وذاكرة الوطن
في شعر حميد محمد الهاشم
الناقد الدكتور عبدالكريم الحلو

 

🔴 الفصل الأول

● القصيدة : أين قميصك يا يوسف
الشاعر : حميد محمد الهاشم

أين قميصك يا يوسف
هل نسيته في البئر
والبئر عميق عميق،
أين أخوتك أبناء السراب

دع سيجارتك،
لا تطفئها..
ألاّ في عيون الذئاب،
هي علامة فارقة،
ليست إلا لك ومنك،
لا لبطل من هوليود
مزيف كذاب،

أيها البطل الجنوبي العراقي،
دخان بندقيتك
ينمو نخيلاً في جنوب القلب
و في قلب الجنوب

أيها الجنوبي،
يا رحلة المحبوب إلى المحبوب،
يا شمس العراق وبغدادها ،
يا بلاداً كأنكَ لست منها
وأنت بلادها،

إن لم تكن فيها خرائط
سحنتك السمراء،
فليس لبغداد إلا رمادك ورمادها،

ورائحة البساتين الفقيرة
في شرايين زنديك
هي الأنقى..
هي الأجمل،
يا أيها الأجمل،

يا لهيب الشعراء،
يا بحّة نايٍّ يسافر بعيدا
في ما يقوله البكاء للغناء،
يا حنين البنفسج
إلى بدر الرُميّض
وشعلان أبو الجون*،

كن كما تصبو العلياء إليك
وتزحف نحو منحرك المنون،
يا حنجرة القصب
وهي تعتلي منصة الماء،
يا ماء ألف دهر ودهرْ،
انشودة يغنيها الموج
من نهر إلى نهر
أغنية مدماة بين سنابل ذي قار،

قمر يكتب الشعر
في ليل ميسان،
إذا ما غاب يتناسل الغبار
في ظلام الطرقات،

تلك التي زحفتْ في رمالها
ثعابين وأفاعي،

لا ترمِ سيفك..
وقل إن “الشمس شمسي”
والشعاع شعاعي ،
حتى يولد الصباح من بين أصابعي،
وأعرف كلّ الذي في انتظاري،
هو في انتظاري،
وفي قلبي ينبض ألف قلب
لمصطفى العذاري،

يدا بيد نقود ألف نهار ونهارِ

قميصك سحنة سومر،
ومهد أبراهيم ،
وخلود گلگامش،

لكنما كم مؤسف
أن تحيى وتموت ”
مامش مامش… ”

آه.. أيها الوارث لأنكيدو
الذي لم يمت،
لكنه منذ ألف جَدٍّ
تعلّمَ الحنين إلى الحنين،

يا مشاكس الأنين،
في الدرب الطويل الطويل ،

كم من الطعنات تتجددتْ
في صدرك العاري الجميل النحيل ،
وأبيتَ إلاّ خلودا في خلود،

يا ابن القسيم
ما بين الحدود والحدود ،
ظهرك عارٍ
إلّا من خناجر أخوتك،
أخوتك،

يا ابن أمتك..
وأنت أبوها وابنها يا ابن أمتك،
فكن وحدك
ولست وحدك ،
واستئنسْ بالسجارة والبطولة
فإن البئر عميق عميق

كن وحدك فأنت وحدك
إلاّ من ميراث الحسين

━━━ 📌 ━━━📌 ━━━

🔴 الفصل الثاني

● المقدمة :
حين صدمتني صورة الشهيد
ثمة صور لا تُقرأ… بل تصدمك.

هذه واحدة منها.
رأيت الشهيد عاريا، وسيجارته ما تزال في يده، فتوقفت أمام المشهد طويلا.

لم أفهم في اللحظة الأولى لماذا هزتني هذه الصورة إلى هذا الحد :

أهو العري؟
أم الموت؟
أم تلك السيجارة التي بدت غريبة في حضرة الجسد المسجى؟

ثم أدركت أن الشاعر لم يضع أمامي جثة شهيد، بل وضع أمامي الإنسان عاريا من كل الأقنعة، والموت عاريا من كل البلاغة.

كان يمكن للشاعر أن يكسو الشهيد بثياب البطولة، وأن يرفعه إلى سماء المديح، وأن يجعل موته صورة مألوفة في قصائد الرثاء. لكنه فعل العكس تماما؛ عرّاه لكي يكشف الحقيقة.

والسيجارة؟
لم تكن تفصيلا عابرا.
كانت، في عيني، آخر نبضة من الحياة معلقة بين أصابع الموت؛ شيء صغير، يومي، عادي، لكنه أمام الجسد الميت يصبح شاهدا مرعبا على أن هذا الذي نراه شهيدا كان قبل لحظة إنسانا يعيش، يدخن، يحلم، وربما لم يكن يعرف أن يده ستتحول بعد قليل إلى أثر في ذاكرة وطن.

ثم قرأت القصيدة.
وهنا كانت الصدمة الثانية… والأعنف.

لم أكن أمام صور شعرية جميلة بالمعنى التقليدي للجمال، بل أمام صور جارحة، عنيفة، تكاد تمسك بالمتلقي من عنقه. صور لا تزين الموت، وإنما تضعه أمامنا بلا مساحيق. صور تتوالد من بعضها كما تتوالد الجراح، وتستدعي يوسف والبئر والذئاب والسيجارة والعين والوطن، لتبني شبكة من الإشارات التي تجعل الشهيد يتجاوز جسده الفردي ويصبح سؤالا عراقيا مفتوحا.

لقد اكتشفت أن عنف الصورة في هذه القصيدة ليس عنفا لغويا، وإنما هو عنف الذاكرة حين تستعيد ما حاول التاريخ دفنه.

كل صورة كانت تفتح جرحا.
وكل جرح كان يقود إلى العراق.

وهنا تحديدا بدأ النص يتجاوز الرثاء؛ فالشاعر لا يبكي الشهيد بقدر ما يجعلنا نسأل: من الذي قتله؟ ومن الذي تركه عاريا؟ ومن هم الذئاب؟ وأين أخوة يوسف؟ ومن الذي ما زال واقفا عند البئر؟

عند هذه النقطة لم يعد الشهيد شخصا واحدا ، لقد أصبح مرآة لوطن كامل.

━━━ 📌 ━━━📌 ━━━

🔴 الفصل الثالث

القراءة النقدية :

حين يخلع الموتُ قميصَ الوطن
من يوسف إلى الشهيد :
عنف الصورة وذاكرة الوطن
في شعر حميد محمد الهاشم
الناقد الدكتور عبدالكريم الحلو

● ومن هنا نبحر برحلتنا النقدية
باعتبارها رحلة عبور :

من البئر إلى الشمس،
من القميص إلى الهوية،
من الطعنة إلى البطولة،
من الجنوب إلى العراق،
من التاريخ إلى الأسطورة،
ومن الموت إلى المجد.

لا بوصف القصيدة مرثية لشهيد،
وإنما بوصفها مسرحا شعريا
تتصارع فوق خشبته
الحياة والموت،
والبراءة والخيانة،
والذاكرة والنسيان،
والإنسان والوطن.

ولعل أخطر ما فعلته القصيدة بي أنها جعلتني، بعد أن انتهيت منها، لا أستطيع أن أرى صورة الشهيد بالطريقة التي رأيتها بها أول مرة.

في البداية رأيت جسدا عاريا وسيجارة.
وفي النهاية رأيت العراق كله واقفا عاريا أمام ذاكرته.

ثمة نصوص ترثي الإنسان بعد موته،
وثمة نصوص ترفض أن تتركه للموت.

وقصيدة حميد الهاشم تنتمي إلى النوع الثاني؛ فهي لا تتعامل مع الشهيد بوصفه غائبا، وإنما بوصفه حضورا يتشكل من الغياب.

لا تبكيه بقدر ما تستدعيه،
ولا تنظر إلى موته بوصفه خاتمة،
بل بوصفه لحظة انتقال من التاريخ إلى الرمز، ومن الجسد إلى الذاكرة، ومن الإنسان إلى البطل.

إنها قصيدة مشدودة إلى سؤال فلسفي قديم ومتجدد:

● كيف يستطيع الإنسان أن ينتصر
على الموت ؟

والإجابة التي يقترحها النص :
ليست بالخلود الجسدي، فهذا مستحيل، وإنما بالخلود الرمزي؛ أن يتحول الإنسان بعد موته إلى معنى يتجاوز زمنه.

● أولا :
البئر… نقطة الصفر في ملحمة البطل

يفتتح الشاعر نصه بالسؤال :

«أين قميصك يا يوسف،
هل نسيته في البئر والبئر عميق عميق؟»

هذه ليست بداية وصفية،
وإنما بداية درامية.

الشاعر يدخل مباشرة إلى قلب المأساة، ويستدعي يوسف بوصفه أول قناع رمزي للبطل.

البئر هنا ليس مجرد مكان.
إنه المكان السفلي الذي يُلقى فيه البريء نتيجة الخيانة.

وبهذا التناص القرآني يضع الشاعر بطله في سلسلة من المظلومين الذين تبدأ رحلتهم من القاع، ثم يتحول القاع نفسه إلى نقطة انطلاق نحو المجد.

لكن المفارقة الأشد عمقا أن يوسف خرج من البئر إلى الحياة، بينما الشهيد خرج من بئر الموت إلى الخلود الرمزي.

ومن هنا يمكن صياغة المعادلة المركزية للنص:

كلما هبط الجسد، ارتفعت الروح في الذاكرة.

والتكرار في:

«البئر عميق عميق»

لا يؤدي وظيفة إيقاعية فقط، بل يضاعف الإحساس بالهاوية.

إنه بئر التاريخ نفسه؛ بئر الخيانة، والمحنة، والانتظار.

● ثانيا :
القميص… من أثر يوسف إلى سحنة العراق

القميص هو أهم مفاتيح النص.
في قصة يوسف كان القميص دليلا، وشاهدا، وموضوعا للخديعة، ثم أصبح لاحقا علامة على البراءة والنجاة.

أما هنا فيتجاوز القميص حكايته الأصلية ليصبح هوية حضارية:

«قميصك سحنة سومر،
ومهد إبراهيم،
وخلود گلگامش»

وهنا تحدث عملية تحول مذهلة:
القميص لم يعد قطعة قماش.
لقد أصبح جسد العراق نفسه.

إنه يحمل:
سحنة سومر،
وذاكرة إبراهيم،
وخلود گلگامش.

أي أن البطل لا يرتدي قميصه فقط،
بل يرتدي تاريخ العراق.
وهكذا يتحول القميص من علامة فردية
إلى علامة جمعية.
إنه قميص الشهيد،
لكنه في العمق قميص الوطن.

● ثالثا :
الأخوة والذئاب… دراما الخيانة

حين يقول:

«أين أخوتك أبناء السراب»

فإن الشاعر يستعيد إخوة يوسف،
لكنه لا يعيد إنتاج القصة حرفيا.
إنه ينقل الخيانة من الحكاية القرآنية إلى فضاء التاريخ.

الأخوة هنا ليسوا أشخاصا بالضرورة،
وإنما رمز لكل من يخون الحقيقة،
أو الوطن، أو الإنسان.

ثم تأتي الذئاب:

«لا تطفئها… إلا في عيون الذئاب»

والذئب في الوعي الرمزي العربي كائن الغدر والافتراس.
لكن الشاعر يواجه الذئاب بالسيجارة
لا بالسلاح وحده.
وهنا تكتسب السيجارة قيمة رمزية غير متوقعة.

● رابعا :
السيجارة… الإنسان داخل الأسطورة

قد يبدو إدخال السيجارة في قصيدة عن شهيد عراقـي أمرا عابرا، لكنه من أكثر اختيارات النص ذكاء.

فالشاعر يرفض أن يصنع من الشهيد تمثالا باردا.

يترك له عادته البشرية.
يترك له السيجارة.

ويقول:

«هي علامة فارقة،
ليست إلا لك ومنك،
لا لبطل من هوليود مزيف كذاب»

هنا يضع الشاعر مواجهة بين بطولين:
بطولة مصطنعة،
وبطولة حقيقية.

بطل الشاشة يحتاج إلى مؤثرات وصناعة وإخراج.

أما هذا البطل فلا يحتاج إلا إلى جسده، وبندقيته، وسيجارته، وأرضه.

ولهذا تصبح السيجارة ضد الصورة النمطية للبطل.

إنها تقول:

هذا ليس بطلا سينمائيا.

هذا رجل حقيقي.
ولهذا تحديدا يصبح بطلا.

● خامسا :
الجنوب… الجغرافيا حين تتحول إلى روح

يقول:

«أيها البطل الجنوبي العراقي»

ثم يبدأ الجنوب بالتحول من مكان إلى كائن:
«جنوب القلب … وقلب الجنوب»
وهذه الثنائية ليست لعبا لغويا.

فالجنوب في الجغرافيا يقع في الأسفل، لكنه في الوجدان يقع في الأعلى.

إنه المكان الذي يحمل الفقر والحرمان، لكنه يحمل أيضا الذاكرة والكرامة.

ولهذا يربط الشاعر البطل بـ:
النخيل، والبساتين، والأنهار، والقصب، والسنابل، وذي قار، وميسان.

وكأن الجسد الفردي يتفكك ليذوب في جسد المكان.
فالبطل لا ينتمي إلى الجنوب فقط؛
الجنوب نفسه يصبح جزءا من تكوينه.

● سادسا :
البندقية التي تنبت نخلا

من أكثر صور القصيدة فرادة:

«دخان بندقيتك ينمو نخيلا
في جنوب القلب وفي قلب الجنوب»

هنا تبلغ الصورة الشعرية مستوى فلسفيا.
الدخان علامة على الاحتراق.
والبندقية علامة على الحرب.
لكن النتيجة ليست الموت، بل النخيل.
إنها عملية تحويل رمزي:

“رصاصة الى دخان الى نخلة الى حياة”

وكأن الشاعر يريد أن يقول:
قد تحرق الحرب الجسد، لكنها لا تستطيع أن تحرق الأرض التي دافع عنها.
وهذه واحدة من أجمل جدليات النص:
الموت يولد الحياة.

● سابعا :
رحلة المحبوب إلى المحبوب

يقول:

«يا رحلة المحبوب إلى المحبوب»

وهنا تدخل القصيدة منطقة صوفية وفلسفية.
فالحركة ليست فقط من الإنسان إلى الوطن.
إنها من المحبوب إلى المحبوب.
والعراق هنا ليس جغرافيا فحسب، بل موضوع عشق.
وهكذا يصبح استشهاد البطل فعلا من أفعال الحب، لا مجرد فعل عسكري.
إنه يعود إلى محبوبه:
إلى الأرض،
إلى الجنوب،
إلى العراق.

فتصبح الشهادة، في البناء الشعري،
رحلة عودة.

● ثامنا :
بغداد… حين ينتمي إليها من يبدو غريبا عنها

من أعمق مقاطع النص:

«يا بلادا كأنك لست منها وأنت بلادها»

إنها مفارقة وطنية وفلسفية في آن.
البطل ابن بلد يشعر أحيانا أنه غريب فيه، ومع ذلك لا يستطيع أن يكون إلا ابنه.

وهنا تتولد مأساة عراقية واسعة:
أن يكون الإنسان من المكان، ثم يشعر أن المكان لم يعد يعرفه.
لكن الشاعر يحسم هذه المفارقة حين يقول:

«إن لم تكن فيها خرائط سحنتك السمراء،
فليس لبغداد إلا رمادك ورمادها»

فالمدينة لا تستعيد حقيقتها
إلا حين تحمل وجوه أبنائها.
البطل هنا لا ينتمي إلى بغداد
لأنها منحته هويته؛
بل بغداد تصبح بغداد لأنه منحها دمه.

● تاسعا :
من التاريخ إلى الأسطورة

يبلغ النص نقطة تحول كبرى عندما يستدعي:
سومر، إبراهيم، گلگامش،
أنكيدو، بدر الرميض،
شعلان أبو الجون،
الحسين، ذو الفقار.

هذه ليست أسماء متجاورة.
إنها طبقات زمنية متراكبة.
سومر تمثل الجذر الحضاري.
إبراهيم يمثل الذاكرة الدينية.
گلگامش يمثل سؤال الخلود.
أنكيدو يمثل الإنسان والطبيعة والصداقة.
ثورة العشرين تمثل المقاومة الوطنية.
الحسين يمثل التضحية والموقف الأخلاقي.
وذو الفقار يمثل الرمز التاريخي للقوة والعدل في المخيال الإسلامي.

والشهيد يقف في مركز هذه الشبكة كلها.
وهكذا يمنحه الشاعر نسبا رمزيا يتجاوز نسبه الشخصي.

● عاشراً :
أنكيدو الذي لم يمت

يقول الشاعر:

«يا أيها الوارث لأنكيدو الذي لم يمت»

هذه العبارة تختصر فلسفة الخلود في القصيدة.
أنكيدو مات جسدا،
لكنه لم يمت حكائيا.

وهنا يكمن الفرق بين:
موت الجسد
و موت المعنى.

فالإنسان يموت
حين يتوقف الآخرون عن روايته.

أما الشهيد الذي يتحول إلى قصة،
فإنه يظل حيا في الوعي.

ومن هنا يصبح الشهيد الحديث شبيها بأنكيدو لا لأنه نسخة منه، وإنما لأنه يدخل معه في سؤال واحد:

كيف يبقى الإنسان بعد أن يفنى جسده؟
والجواب:
بالأثر.
بالذاكرة.
بالقصة.
بالشعر.

● الحادي عشر :
الطعنة… حين يتحول الجسد إلى وطن

يقول:

«كم من الطعنات تتجددت في صدرك
العاري الجميل النحيل»

الجسد هنا ليس مجرد جسد.
إنه مساحة تتلقى التاريخ.
الصدر يتحول إلى خريطة.
والطعنة تتحول إلى كتابة.
كل خنجر يترك سطرا.
وكل جرح يصبح شاهدا.

ولهذا يأتي:
« ظهرك عار إلا من خناجر أخوتك »

فنحن أمام انقلاب درامي:
ظهر البطل عار،
لكن هذا العري ليس ضعفا.
إنه عري الحقيقة أمام الخيانة.
فالخائن يطعن من الخلف،
والبطل يواجه الموت من الأمام.

● الثاني عشر :
الحسين… التناص الذي يمنح الموت معناه

عندما يصل النص إلى:

«ميراث الحسين،
وبريق ذي الفقار»

تتجمع كل الرموز السابقة.
يوسف منح البطل محنة البئر.
گلگامش منحه سؤال الخلود.
أنكيدو منحه الإنسان.
ثورة العشرين منحته المقاومة الوطنية.

لكن الحسين يمنح الشهادة معناها الأخلاقي.
وهنا تصبح البطولة ليست في القدرة على قتل الآخر، وإنما في القدرة على الدفاع عن معنى يراه البطل أكبر من حياته.

ولهذا فإن «ميراث الحسين» في النص ليس نسبا تاريخيا، وإنما ميراث موقف.

الموقف من الظلم.
الموقف من الخوف.
الموقف من الموت.
والموقف من الكرامة.

● الثالث عشر :
« فكن وحدك ولست وحدك»…
فلسفة البطولة

ربما كانت هذه العبارة أكثر عبارات القصيدة اختزالا لفلسفتها:

«فكن وحدك ولست وحدك»

إنها مفارقة وجودية.
الإنسان في لحظة الموت وحيد.
لكن البطل لا يدخل الموت منفردا.
تحيط به ذاكرته.
وراءه أرضه.
وراءه تاريخ بلاده.
وراءه من سبقوه.
وراءه من سيأتون بعده.

إذن:
الوحدة الجسدية لا تعني الوحدة الوجودية.
وهنا يرتقي الشهيد من فرد إلى رمز.

● الرابع عشر :
هندسة الصعود… من البئر إلى الشمس

إذا تتبعنا حركة الصور في النص، سنجد بناء هندسيا خفيا:
يبدأ الشاعر من : البئر
ثم يصعد إلى :ً الأرض
ثم: النخيل
ثم: النهر
ثم: القمر
ثم: الشمس
ثم: العلياء

وهذه ليست مصادفة جمالية.
إنها حركة صعود.
البطل يبدأ في أعمق نقطة:ً البئر.
وينتهي في أعلى نقطة : المجد.

وبينهما يمر بالماء والتراب والنخيل والنار والدم.
إنها رحلة العناصر الأربعة:
الماء، التراب، النار، والهواء.

لكنها في النهاية تنتج عنصرا خامسا:
الخلود.

● الخامس عشر :
البطل بين الإنسان والأسطورة

الخطر الذي يمكن أن يقع فيه شعر البطولة هو أن يتحول البطل إلى تمثال، فتضيع إنسانيته.

لكن حميد الهاشم يتجنب هذا إلى حد بعيد. إنه يترك للبطل: سيجارته،
وحزنَه، وعري ظهره، وطعناته،
ونحوله، وحنينه.
وهذا مهم جماليا ؛ لأن البطولة لا تصبح مقنعة إلا حين نرى الإنسان داخلها.

فالبطل ليس إلها.
إنه إنسان يعرف أنه سيموت،
ومع ذلك يمضي.
وهنا تكمن عظمة البطولة.

● السادس عشر:
فلسفة المجد… هل المجد في الموت
أم فيما بعد الموت؟

القصيدة لا تمجد الموت لذاته.
وهذا فارق جوهري.
المجد لا يأتي لأن الإنسان مات.
بل لأن موته ارتبط بمعنى يتجاوز الفرد.

ولهذا فإن القيمة الحقيقية للشهيد ليست في نهاية حياته، وإنما في السؤال الذي يتركه خلفه:

ماذا فعلنا نحن بالأرض التي مات من أجلها؟

وهنا تتحول القصيدة من رثاء إلى مسؤولية.

فإذا بقي العراق كما هو، فإن تمجيد الشهيد يتحول إلى كلام.

أما إذا تحولت تضحيته إلى بناء وكرامة وعدالة وحياة، فهنا فقط يصبح موته ذا معنى.
ومن هذه الزاوية، فإن القصيدة تضع القارئ أمام امتحان أخلاقي، لا أمام مشهد بكائي فقط.

━━━ 📌 ━━━📌 ━━━

🔴 الفصل الرابع

الخاتمة :
حين يصبح الشهيد أكثر حياة من الأحياء
في النهاية، لا يعود السؤال:

هل مات البطل؟
بل يصبح السؤال:

ماذا بقي منه بعد الموت؟
بقي القميص.
بقيت السيجارة.
بقي الدخان.
بقي النخيل.
بقي الجنوب.
بقيت بغداد.
بقيت سومر.
بقي أنكيدو.
بقي الحسين.
وبقيت ذاكرة العراق.

وهنا تبلغ القصيدة فلسفتها الأعمق : الموت لا ينتصر على الإنسان حين يستطيع الإنسان أن يحول موته إلى معنى.

لقد سقط البطل في الأرض،
لكنه لم يسقط من التاريخ.

انطفأ جسده، لكن دخانه صار نخلا.
غاب صوته، لكن حنجرته صارت قصبا وماء.
مات في لحظة، لكنه امتد في «ألف نهار ونهار».
وهكذا لا يكون الشهيد في القصيدة جسدا غائبا، بل حضورا متجددا.

إنه البطل الذي لم يعبر من الحياة إلى الموت فقط؛ بل عبر من التاريخ إلى الأسطورة، ومن الجسد إلى الرمز، ومن البئر إلى الشمس.

ذلك هو المجد الذي لا تمنحه الحياة للأحياء دائما، وإنما تمنحه الذاكرة لمن عرف كيف يموت من أجل معنى يستحق أن يبقى.

حين يصعد البطل ولا ينتهي
في أول القصيدة كان البطل في البئر.
وكان السؤال:

«أين قميصك يا يوسف؟»

وفي آخرها يصبح السؤال مختلفا:
أين يمكن أن يموت من صار جزءا من ذاكرة المكان ؟

لقد غاب الجسد، لكن :
القميص بقي شاهداً
والسيجارة بقيت علامة
والدخان صار نخلاً
والدم صار سنبلة،
والصوت صار قصباً
والحنين صار نهراً
والشهيد صار اسماً في ذاكرة العراق.

وهكذا تنجح القصيدة في تحويل مسار الموت إلى مسار صعود:
من البئر إلى الأرض،
ومن الأرض إلى الجنوب،
ومن الجنوب إلى العراق،
ومن العراق إلى التاريخ،
ومن التاريخ إلى الأسطورة،
ومن الأسطورة إلى الخلود.

إن الشاعر حميد الهاشم لا يرثي بطلا انتهى!
بل يكتب عن بطل بدأ بعد أن انتهى.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى:
لقد استطاع الموت أن يأخذ جسد الشهيد، لكنه عجز عن أخذ صورته.

فالشهيد الذي حمل قميص سومر، ووقف على تخوم الموت، وترك ظهره لخناجر الإخوة، لم يسقط في النهاية؛ لقد سقط جسده فقط.

أما هو، فقد عبر.
عبر من ظلمة البئر إلى ضوء الشمس.
من الطعنة إلى الذاكرة.
من الذاكرة إلى الأسطورة.
ومن الأسطورة إلى ذرى المجد.

وهناك، في تلك الذرى،
لا يعود الشهيد إنسانا ميتاً
بل يصبح موتُه الطريقَ الذي يعثر فيه العراق على خلوده..

المجد للشهداء

 

 

اترك رد


اكتشاف المزيد من جريدة الأقلام الدولية International pens newspaper

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة