الملك الذي صدّق ظله حين يصنع الخوف إلهاً من إنسان.

 

 

الملك الذي صدّق ظله
حين يصنع الخوف إلهاً من إنسان.

 

حامد الضبياني

 

في مملكة بعيدة، كانت الشمس تشرق كل صباح على مدينة واسعة، لكنها كانت تجد في الساحات آلاف العيون معلّقة بصورة رجل واحد، كأن المدينة لم تعد ترى السماء إلا من خلال وجهه، ولم تعد تعرف معنى الوطن إلا بقدر ما يسمح به ظله. كان الرجل قد وصل إلى القصر في زمن مرتبك، حين كانت البلاد تبحث عن يد تمسك بزمامها، فظهر بينهم رجل لا يملك من الحكمة ما يكفي لإدارة قرية، لكنه كان يملك شيئاً آخر أشد خطراً: شهوة السلطة، وإيماناً عميقاً بأن الخوف يمكن أن يكون طريقاً إلى المجد. في البداية لم يطلب منهم أن يعبدوه، بل طلب منهم أن يصدقوا أنه قوي. ثم أقنعهم بأن القوة وحدها قادرة على إنقاذ المملكة. وبعد سنوات قليلة، صار الناس يقولون عنه ما لم يقله هو في البداية: إنه الرجل الذي لا بديل عنه، وإن البلاد ستضيع إذا غاب، وإن الدولة لا تستطيع أن تتنفس من دون أن يوقّع، ولا أن تمشي من دون أن يأمر، ولا أن تحلم إلا تحت عينيه.وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية؛ فالحاكم المستبد لا يصبح إلهاً لأنه يملك صفات الآلهة، بل لأن الناس المحاصرين بالخوف يتنازلون له شيئاً فشيئاً عن عقولهم، حتى يصبح السؤال عنه أخطر من السؤال عن الوطن. كان الملك يعرف أن أخطر شيء عليه ليس عدوه البعيد، وإنما الرجل القريب الذي يستطيع أن يقول له: لا. لذلك بدأ بإفراغ القصر من الرجال الذين يملكون ذاكرة مستقلة، وأبعد أصحاب الخبرة، وأسكت أصحاب الرأي، وراقب الذين كانوا معه في الطريق الأول، حتى صار القصر واسعاً جداً على الحقيقة وضيقاً جداً على الإنسان. كل رجل قوي كان يراه مشروع تمرد، وكل عقل مستقل كان يراه بذرة عصيان، وكل صديق قديم كان يحمل في نظره خطراً لا يستطيع أن يحتمله. وهكذا أخذ يقطع أغصان الشجرة التي صعد عليها، حتى بقي وحده فوقها، ثم نظر إلى الأسفل وقال: انظروا، لا أحد يستطيع أن يصل إلى مكاني. لم يفهم أن وحدته لم تكن دليلاً على عظمته، بل كانت الدليل الأول على خراب المملكة.كان يطرد رجاله واحداً بعد آخر، ويصنع حول نفسه دائرة من الأقارب والموالين، ثم يطلق على ذلك اسم الثقة. وكلما ازداد خوفه من الذين حوله، ازدادت قيمة القرابة عنده، حتى أصبح القصر عائلة كبيرة لا تعرف من الدولة إلا ما يريده رجل واحد. ثم بدأت صناعة الأسطورة. وُضعت صورته في المدارس، وعلى الجدران، وفي الساحات، وعلى أبواب المؤسسات. صار وجهه أكبر من وجوه الناس، وصوته أعلى من أصواتهم، واسمه يدخل البيوت قبل أن يدخل أصحابها. كتب الشعراء القصائد، وردد الخطباء الألقاب، وصار الأطفال يحفظون صفاته قبل أن يتعلموا معنى التاريخ.قالوا عنه: القائد العظيم. ثم قالوا: المنقذ. ثم قالوا: الأب. ثم وجدوا اللقب الذي اختصر المأساة كلها: القائد الضرورة. ضحك التاريخ في سره. فالضرورة الحقيقية لا تحتاج إلى صورة معلقة على جدار، ولا إلى قصيدة مفروضة، ولا إلى تمثال يحرسه الجنود. الضرورة يولدها الإنجاز، لا الخوف. ويثبتها الزمن، لا الهتاف. لكن الملك كان قد صنع معادلة شيطانية: أفسد مؤسسات المملكة حتى أصبحت عاجزة عن العمل من دونه، ثم وقف أمام شعبه قائلاً: أرأيتم؟ لا أحد يستطيع أن يحكم غيري. كان هو من كسر الميزان، ثم أقنعهم بأن يديه وحدهما قادرتان على حمله. وكان هو من قتل السياسة، ثم قدم نفسه بديلاً عنها. وكان هو من خنق الدولة، ثم أقنع الناس بأن الدولة لا تتنفس إلا من خلاله.ومع مرور الأعوام، بدأ الملك يصدق صورته. وهذه أخطر لحظة في حياة الطاغية: حين يتحول الكذب الذي صنعه للناس إلى حقيقة يؤمن بها هو. كان يسمع المديح فيظنه شهادة تاريخية، ويرى الجماهير تهتف فيحسب أن الحب هو الذي جمعها، ولا يدرك أن نصف الحشود جاءت خوفاً، والنصف الآخر جاء لأن الجميع يخشى أن يكون الوحيد الذي لا يهتف. صار يظن أن صمته حكمة، وغضبه هيبة، وشكّه يقظة، وقسوته حزماً، وأخطاءه قرارات تاريخية. وفي اللحظة التي بدأ فيها يعتقد أنه فوق النقد، أصبح خارج الواقع. الواقع لا يصفق. الواقع يحاسب.وحين قرر الملك أن يخوض حرباً طويلة، قيل إن المعركة ستصنع مجداً للمملكة. وعندما انتهت الحرب، كانت المقابر أكثر من الأناشيد، والبيوت أكثر حزناً من الساحات احتفالاً. ثم نظر إلى حدود المملكة فرأى أرضاً أخرى، فقرر أن يدخلها، لأن الرجل الذي اعتاد أن يأمر شعبه ظن أن العالم كله يجب أن يسمع الأمر نفسه. دخلت الجيوش، وارتفعت الشعارات، وانتصرت الدعاية قبل أن تبدأ المعركة. لكن التاريخ لا يعيش على الشعارات. خرجت المملكة من الحرب وهي أثقل من ذي قبل، وتكاثرت عليها العزلة والعقوبات والجراح، وأصبح المواطن يدفع ثمن قرار لم يشارك في صنعه. ومع ذلك ظل الملك يخرج إلى الناس ويتحدث عن النصر. كان يتحدث عن النصر بينما كانت الأمهات تعدّ أسماء الغائبين. وكان يتحدث عن القوة بينما كانت الدولة تفقد قوتها. وكان يتحدث عن السيادة بينما كانت المملكة تزداد اعتماداً على الخوف.وهكذا عاش الملك في قصر من المرايا؛ كل مرآة تعيد إليه صورته نفسها، وكل من حاول كسر المرآة اختفى. ولم ينتبه إلى أن المرآة لا تكشف الحقيقة، وإنما تكرر الوهم. مرت السنوات، وكبرت صورته، وصغر الوطن. كبر التمثال، وصغرت المؤسسة. كبر الخطاب، وصغر الإنسان. كبر اسم القائد، حتى أصبح أثقل من اسم المملكة نفسها. ثم جاء اليوم الذي انقلب فيه السؤال. لم يعد الناس يسألون: ماذا سيحدث إذا غاب القائد؟ بل بدأ بعضهم يسأل في صمت: ماذا حدث للبلاد لأنه بقي؟ كان السؤال متأخراً، لكنه كان السؤال الصحيح.فالأوطان لا تُقاس بعظمة حكامها، وإنما بقدرة مؤسساتها على البقاء بعد رحيلهم. والقائد العظيم هو الذي يجعل الدولة أقوى منه، لا الذي يجعل الدولة تموت إذا مات. أما الرجل الذي يربط مصير وطنه بمصيره الشخصي، فهو لا يبني دولة؛ إنه يبني قبراً واسعاً لنفسه ولمن حوله. وفي صباح لم يكن مختلفاً عن الصباحات السابقة، سقطت صور الملك من الجدران. لم تسقط السماء. ولم تتوقف الشمس. ولم تجف الأنهار. ولم تمت المملكة لأن الرجل الذي قيل إنه «ضرورة» لم يعد موجوداً في القصر. وهنا اكتشف الناس أكبر كذبة عاشوا تحتها سنوات طويلة: أن الضرورة لم تكن الرجل، وإنما كانت صناعة الرجل.
كان قد جعل نفسه مركز العالم، ثم أقنعهم بأن العالم سينتهي إذا خرج من مركزه. وعندما خرج، استمر العالم. بقيت الأشجار واقفة. وبقيت الطرقات. وبقيت البيوت. وبقيت ذاكرة الناس. أما هو، فقد وجد نفسه في نهاية الطريق بلا جمهور، بلا ألقاب، بلا تماثيل، وبلا جدار يصفق لصورته. ولأول مرة رأى نفسه بلا مرآة. لم يرَ القائد العظيم. رأى رجلاً خائفاً قضى عمره يطارد الخوف، فقتل أصدقاءه قبل أن يقتلوه في مخيلته، وأبعد رجاله قبل أن ينافسوه، وأقصى عائلته عن إنسانيتها حين جعل الولاء أهم من الدم، ثم حوّل الدولة كلها إلى جهاز ضخم لحماية رجل واحد.وفي النهاية اكتشف المفارقة التي لا يفهمها الطغاة إلا بعد فوات الأوان: كلما حاول الإنسان أن يجعل نفسه إلهاً، أثبت التاريخ أنه أكثر هشاشة من الإنسان الذي كان يخشاه. فالسلطة التي لا تقبل النقد تصنع الغباء. والخوف الذي يمنع النصيحة يصنع الوهم. والوهم حين يطول يتحول إلى جنون سياسي. والجنون السياسي حين يمسك دولة كاملة يستطيع أن يحولها إلى حطام.لهذا لا ينبغي أن نخاف من القائد الذي يقول إنه ضروري فحسب؛ علينا أن نخاف أكثر من اليوم الذي يبدأ فيه الناس بترديد كلامه. فالطاغية لا يولد وحده. يصنعه خوفٌ جماعي، وتصنعه دعاية، وتصنعه مؤسسات صامتة، وتصنعه جماهير تتعلم أن التصفيق أكثر أماناً من السؤال. وحين يموت الطاغية، لا تنتهي المأساة بالضرورة؛ فقد تبقى صورته في عقول الذين تربوا على تقديسه، وقد يتحول إلى حكاية تتناقلها الأجيال، وقد يظهر بعده رجل آخر يحمل القناع نفسه ويقول العبارة القديمة ذاتها: **أنا وحدي أستطيع إنقاذكم.**وهنا ينبغي للناس أن يتذكروا المملكة القديمة. أن يتذكروا الرجل الذي صنع من نفسه إلهاً. أن يتذكروا كيف بدأ الأمر بصورة على جدار، وانتهى ببلاد تبحث عن جدران جديدة لتكتب عليها أسماء ضحاياها. فالخطر الحقيقي لم يكن في أن رجلاً واحداً صدق أنه عظيم. الخطر كان في أن وطناً كاملاً صدق، ولو لبعض الوقت، أن مستقبله لايمكن أن يوجد من دونه. ومن تلك اللحظة تبدأ نهاية الدولة؛ حين يصبح الوطن تابعاً للحاكم، والحقيقة تابعة للدعاية، والضمير تابعاً للخوف.أما التاريخ، فإنه ينتظر بصمت. ثم يأتي ذات يوم، وينزع التاج عن الرأس، والصورة عن الجدار، واللقب عن الاسم، ويترك الرجل عارياً أمام الحقيقة. عندها فقط يعرف الجميع أن القائد الذي قيل إنه ضرورة كان مجرد إنسان خائف، وأن الدولة التي ظن أنها ملكه كانت أكبر منه، وأن الوطن الذي حاول اختصاره في صورته بقي بعده، يحمل ندوب السنوات، ويمشي ببطء نحو المستقبل.فالبلاد لا تحتاج قائداً يجعل نفسه إلهاً؛ تحتاج مؤسسات تمنع أي إنسان من أن يتوهم أنه إله.

اترك رد


اكتشاف المزيد من جريدة الأقلام الدولية International pens newspaper

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة