كريز (المحاسن) … ذاكرة الحضارات وأصالة المكان

 

 

كريز (المحاسن) … ذاكرة الحضارات وأصالة المكان

 

بقلم المهندس عبدالحميد تواتي/تونس

تتربع قرية كريز، المعروفة رسميًا اليوم باسم المحاسن في قلب الجريد التونسي، شامخة بتاريخها العريق، ضاربة الجذور في عمق الزمن، وشاهدة على تعاقب الإنسان والحضارات فوق هذه الأرض. وهي قرية تونسية تقع بمعتمدية دقاش من ولاية توزر، وتُعد من أعرق قرى الجريد وأكثرها تجذرًا في التاريخ، حتى استحقت في الذاكرة المحلية لقب «عجوز الواحات»، لما تختزنه من تاريخ يمتد إلى آلاف السنين.
وکریز لیست مجرد واحة للنخيل والمياه، بل فضاء تاريخي تشكل عبر قرون طويلة، وتراكمت فيه آثار الحضارات والعادات والمعارف حتى أصبحت هوية المكان مزيجًا من التاريخ والإنسان والأرض. وقد هيأت وفرة المياه وخصوبة التربة ظروفًا ملائمة للاستقرار البشري والزراعة والعمران، فكان للنخيل والسواقي والعيون دور أساسي في نشأة مجتمع واحات متماسك، حافظ على خصوصيته وتقاليده عبر الأجيال.
كريز في عصور ما قبل التاريخ
تشير المعطيات الأثرية إلى أن المنطقة كانت مأهولة منذ عصور ما قبل التاريخ، حيث استوطنها الإنسان القفصي، وخلّف وراءه شواهد مادية تؤكد قدم الاستقرار البشري بهذه الربوع. ومنذ ذلك الزمن البعيد، ظل المكان يستقبل أجيالاً متعاقبة، تتغير أسماؤها وتتوالى الحضارات، بينما بقيت الأرض حافظة لذاكرة من عاشوا عليها.
كريز في العهد الروماني
في العهد الروماني، ارتبطت المنطقة باسم تقيوس، وبمدينة ثيجاس (Thiges أو Teguis)، وكانت جزءًا من إقليم قسطيلية، أحد أهم أقاليم الجنوب القديم. وقد كان الجريد آنذاك مجالاً واسعًا للعمران والاستقرار والتجارة، وكانت الطرق الرومانية تربط بين مراكز الواحات والقرى ومناطق الداخل والصحراء.
ويبرز في هذا السياق موقع قبة بواحة كريز باعتباره من أهم الشواهد على الحضور الروماني بالمنطقة، ويُعد وفق المعطيات التاريخية المعتمدة، أول موقع أثري روماني معروف بمنطقة الجريد في واحة كريز. وترتبط قبة بتاريخ ثيجاس، وتكشف بقاياها عن مرحلة من العمران والتنظيم الحضري والعسكري والاقتصادي الذي عرفته المنطقة.
وتتكامل الصورة الأثرية مع مقطع الحجارة الروماني بالحويشات ومقبرة تيميليس (الكدية)، وغيرها من الشواهد التي ما تزال تختزن صفحات من تاريخ كريز القديم.
وقد بلغت بلاد الجريد من العمران والتحضر منزلة رفيعة، حتى وصفها ولي الدين ابن خلدون بأنها بلاد «مستبحرة العمران مستحكمة الحضارة»، وذكر ضمن بلاد قسطيلية نفطة وتوزر وتقيوس وقفصة وبلاد نفزاوة. وهذا الوصف يعكس المكانة التي كانت تحتلها هذه المنطقة في تاريخ إفريقية، ويؤكد أن الجريد لم يكن هامنا معزولاً ، بل مجالاً حضاريا نابضًا بالحياة.
وتشير الوثائق والمصادر التاريخية إلى أن بلاد الوديان كانت من أقدم حواضر الجريد، وأنها ضمت عددًا من البلدان والقرى، من أشهرها كريز ودقاش. كما وصفت كريز بأنها «البلد العتيق»، وارتبط بها مجال شمل الزرقان وأولاد ماجد وامتد عمرانها نحو سدادة. وتكشف هذه المعطيات عن مكانة كريز ضمن البنية العمرانية والاجتماعية والسياسية للجريد في مراحل تاريخية مختلفة.
من كنومة وكتومة إلى كريز
أما أسماء المكان، فقد عرفت المنطقة عبر مراحلها التاريخية تسميات متعددة فتشير الوثائق والمصادر التاريخية إلى اسمي كنومة أو كتومة في مراحل سابقة، قبل أن يظهر اسم كريز في المصادر سنة 1324م.
ومنذ ذلك التاريخ ظل اسم كريز متداولاً عبر القرون، وأصبح جزءًا لا يتجزأ من ذاكرة أهلها وهويتهم، حتى وإن تغير الاسم الإداري للقرية في العصر الحديث.
وفي جويلية سنة 1969 أصبح الاسم الإداري الرسمي للقرية المحاسن، في إطار التحويرات الإدارية والترابية التي عرفتها البلاد آنذاك، بينما بقي اسم كريز حيًا في الذاكرة الشعبية والتاريخية يحمله أبناؤها باعتزاز أينما حلوا.
كريز في العهد الإسلامي والعصور اللاحقة
مع دخول الإسلام إلى إفريقية في القرن السابع الميلادي، دخلت منطقة الجريد مرحلة جديدة من تاريخها، وتواصلت بعدها التحولات السكانية والاجتماعية على امتداد القرون.
وتشير الوثائق والمصادر التاريخية إلى تداخل السكان والوافدين، وامتزاج العائلات وتصاهرها، فتشكل مجتمع متنوع حافظ في الوقت نفسه على خصوصيته الجريدية. كما وفد على المنطقة عدد من العلماء والأولياء الصالحين، وأسهموا في نشر العلم وتعزيز الحياة الدينية والروحية. وتذكر المصادر قدوم الشيخ الولي الصالح أبو هلال من ناحية القيروان في القرن السابع الهجري كما عرفت المنطقة شخصيات علمية ارتبطت بتقيوس وكنومة، وأسهمت حلقات التعليم في تعليم القرآن والفقه واللغة والعلوم.
وهكذا لم تكن كريز ومحيطها فضاءً زراعيًا فقط، بل كانت أيضًا مجالاً للعلم والمعرفة، وهو إرث ظل حاضرًا في حياة القرية إلى العصر الحديث.
المساجد والزوايا … ذاكرة روحية
احتفظت كريز بعدد من المعالم الدينية التي تمثل جزءًا أساسيًا من ذاكرتها الجماعية، من بينها جامع الجمعة (الجامع الكبير)، ومسجد سيدي الصحبي، وزاوية سيدي حمادي التي تأسست سنة 1844، وكانت مركزا دينيًا وعلميا وروحيًا مهما، إلى جانب زاوية سيدي الخريساني.
ولم تكن هذه المعالم أماكن للعبادة فحسب، بل كانت فضاءات للتعليم وحفظ القرآن والتواصل الاجتماعي وترسيخ قيم التضامن والتكافل وأسهمت في صيانة هوية المجتمع ونقل تراثه من جيل إلى آخر.
كريز… الإنسان والأرض
كريز أرض النخيل والماء، ومجتمع اشتهر بكرم أهله وحسن استقبالهم للضيف. فيها امتزجت قسوة الصحراء بكرم الإنسان، وأصبحت الفزعة والتعاون والتكافل جزءًا من الحياة الاجتماعية حيث يتعاون الأهالي في خدمة الواحة وتعهد النخيل والسواقي.
وفي كريز لا يُقاس الزمن بالساعات فقط، بل بمواسم النخيل ودورات السقي وجني التمور وبعودة الأبناء إلى بلدهم، وبالذكريات التي تحملها الأجيال من موسم إلى آخر.
ويتذكر أبناء كريز مواسم الربيع والزيارات العائلية، والتنقل بين الأعمام والأخوال، وقضاء الأيام والأسابيع في كنف العائلة، وهي ذكريات رسخت في الوجدان معنى الانتماء إلى الأرض والأهل.
كريز… بلد العلم والنضال
عرفت كريز بنضالات أبنائها ضد الاستعمار الفرنسي، كما عُرفت باهتمام أهلها بتعليم أبنائهم، حتى أصبح العلم إحدى أبرز سمات مجتمعها.
فأنجبت القرية أجيالاً من حفظة القرآن والعلماء والأدباء والمهندسين والأطباء والأساتذة والمحامين والقضاة والإطارات الإدارية والمحاسبين وغيرهم من أصحاب الكفاءات الذين أسهموا في بناء تونس وخدمة المجتمع داخل الوطن وخارجه.
ولم تتوقف مسيرة التعليم عند جيل واحد بل تواصلت عبر الأجيال، حتى أصبح أبناء كريز المتخرجون من الجامعات جزءًا من رصيدها البشري والعلمي، يحملون اسم بلدهم أينما استقروا.
كريز في أرقام
* يُقدر عدد أبناء كريز المقيمين بالقرية وبمختلف ولايات الجمهورية التونسية وبخارج الوطن بحوالي 9500 كريزي.
* يبلغ عدد سكان المحاسن المقيمين بالقرية حوالي 4388 نسمة حسب إحصائيات سنة 2024.
ويعكس هذا الامتداد البشري الواسع حجم ارتباط أبناء كريز بمسقط رأسهم، إذ ظل اسم القرية حاضرًا في وجدان أبنائها، رغم انتشارهم في مختلف الجهات التونسية والهجرة إلى الخارج.
المجال الجغرافي وتغير الحدود
لم تبق المساحة الجغرافية المرتبطة بكريز على حالها، فقد تغيرت مع تغير التقسيمات الإدارية والترابية عبر الزمن، وأصبحت المحاسن اليوم من أصغر العمادات مساحة.
غير أن الحدود الإدارية الحديثة لا تختزل المجال التاريخي لكريز، ولا تستطيع أن تمحو امتدادها القديم ولا المكانة التي احتلتها في تاريخ الجريد. فكريز التي كانت مرتبطة بمجال عمراني أوسع، وشملت تاريخيًا مناطق مثل الزرقان وأولاد ماجد، وامتد عمرانها نحو سدادة، أصبحت اليوم عمادة محدودة المساحة، لكن ذاكرتها التاريخية ظلت أوسع بكثير من حدودها الإدارية الحالية.
كريز… اسم تغيّر ومكان لم يتغير
من كنومة أو كتومة في مراحل تاريخية سابقة، إلى كريز التي ورد اسمها في المصادر سنة 1324م، ثم إلى المحاسن منذ جويلية 1969 ، تتواصل حكاية قرية ظل جوهرها ثابتا رغم تغير الأسماء والحدود.
فالاسم الإداري قد يتغير والمساحة قد تتقلص، لكن ذاكرة المكان تبقى محفوظة في وثائق التاريخ، وفي المعالم الأثرية، وفي العمارة القديمة، وفي المساجد والزوايا، وفي ذاكرة أهلها وأبنائها.
كريز… ذاكرة لا تنطفئ
إن كريز (المحاسن) ليست مجرد قرية واحية، بل هي ذاكرة حضارات وهوية إنسان أرض تعاقبت عليها الحضارات منذ عصور ما قبل التاريخ، واحتضنت آثار ثيجاس الرومانية، وحفظت في قبة والحويشات وتيميليس شواهد من ماضيها، واحتضنت المساجد والزوايا وحلقات العلم وأنجبت رجالاً ونساءً حملوا اسمها إلى مختلف أنحاء تونس والعالم.
وهي اليوم مدعوة إلى أن تجعل من هذا الرصيد التاريخي والثقافي مصدرًا للبحث والتوثيق والتنمية، وأن تُصان مواقعها الأثرية، وتحفظ ذاكرتها الشعبية، وتُعرّف أجيالها الجديدة بتاريخ المكان الذي ينتمون إليه.
وإذا كانت الأيام قد غيرت الاسم من كريز إلى المحاسن، وغيرت الحدود والمساحات، فإن شيئًا واحدًا لم يتغير: حب أهلها لها، وارتباطهم بأرضها، واعتزازهم بتاريخها.
کریز… اسم تغيّر، لكن الذاكرة لم تتغير المحاسن اليوم، وكريز في وجدان أهلها، وتاريخها شاهد على أن المكان حين يحفظ ذاكرته، يحفظ هويته.

اترك رد


اكتشاف المزيد من جريدة الأقلام الدولية International pens newspaper

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة