أطياف الركح: رحلة في ذاكرة المسرح بسوسة (1908–1968) تونس
بقلم: المهندس عبدالحميد تواتي/ تونس
تستوقفك عند مدخل دار الثقافة بحمام سوسة جدارية علي الدوعاجي؛ نظراته الساخرة تخترق المدى بوقارٍ هادئ، وكأنها ترسم معبراً بين ضجيج الحاضر وسكون ذاكرةٍ تأبى النسيان. ما إن تخطو العتبة الأولى حتى تسلمك الأروقة إلى معرض “أطياف الركح”، فتستحيل الجدران شاشات ضوء وظلال تؤرخ لستين عاماً من الشغف الإنساني والمسرحي في سوسة.
تقف في مستهل الرواق مأخوذاً بصور بالأبيض والأسود تعود إلى عام 1913؛ فتية “فرقة مخلوف النجار” بملامحهم الفتية وأزيائهم الركحية البسيطة يروون حكاية التنوع حين تعانقت الدارجة التونسية باللغة العبرية في فضاء واحد. تجاورهم وثائق فرقة إبراهيم الأكودي لسنة 1920، وملامح فتيان “مجموعة الشباب المدرسي” لعام 1930، حيث تحولت قاعات الدرس إلى معامل أولى لصقل الموهبة المسرحية. ثم تستوقفك رهافة الفن النغمي في وثيقة نادرة تعود لسنة 1947: خطٌ مائل بخط يد مطرب الجيل علي الرياحي، يوجه فيه خالص امتنانه للمؤلف محمد الزرقاطي عقب النجاح الباهر لرائعة “عليك نغني”.
تنقلك المعروضات بعدها إلى هدير الخمسينيات وزخمها الوطني؛ هنا صور عروض سنة 1955 لـ”الاتحاد المسرحي بسوسة” و”جمعية الساحلية” فوق خشبة المسرح البلدي. تتراءى كواليس مسرحية “عثمان النبّاس” بأداء شافية رشدي والصادق الطرابلسي، ولقطات عفوية من “أش لزّو” و”آه من بابا وأحماتي”، وصولاً إلى شخصية “زعطوط” في “الدنيا منام” حيث يطل عبد الحفيظ بوراوي بجبته وشاشيته التراثية كأنه يهمّ بالحديث. وتكتمل نبرة العصر بملامسة السياسة للفن عبر رسالة خطية عفوية من المناضل أحمد بن صالح، يشد فيها على أيادي شبيبة الركح، ثم لقطة سبتمبر 1956 التي جمعت رواد سوسة برائد المسرح العربي زكي طليمات في بهو البلدية بحضور وزير التربية الأمين الشابي.
تفيض الفرجة من الجدران المغلقة إلى فضاء المدينة الرحب مع ولادة “مهرجان أوسّو” سنة 1958؛ حيث تظهر الصور محمد الزرقاطي محاطاً بورشات نحت المجسمات وعربات الكرنفال، قبل أن تنطلق الزوارق في عرض البحر محاطة بهتاف الجماهير. وسرعان ما يتوج المسار في أواخر الستينيات بنضج الفرقة القارة؛ فتشاهد هيبة تمارين “السلطان الحائر” لتوفيق الحكيم، ثم وثيقة الدعوة وصورة الحبيب بورقيبة وهو يقف في المسرح البلدي مصفقاً لأبطال “شمس النهار”، وصولاً إلى عمق مسرح الوجودية مع “موتى بلا قبور” لجان بول سارتر سنة 1968 برؤية الزرقاطي وأداء رضا بلخير ومراد كروت.
تغادر المعرض وكأنك ودعت زمناً حياً كان يضج بالعزيمة والإبداع؛ مدركاً أن جهد دار الثقافة علي الدوعاجي وجمعية محمد الزرقاطي لم يكن مجرد استعراض لأرشيف قديم، بل استحضاراً حياً لأرواح وقامات نقشت ملامح الهوية التونسية على ألواح الخشبة وظلت حية في وجدانها.


اترك رد