رحلتي مع علاج ولدي مصطفى في بلدي العراق
ضياء ابو معارج الدراجي
قبل أن أفتح ملفًا مؤلمًا وصادمًا عن واقع العلاج في العراق، أجد من واجبي أن أبدأ بالإنصاف، وأن أقدم شكري وتقديري للأخ الدكتور سيف، المتحدث الرسمي باسم وزير الصحة، وللأخ الدكتور علي، مدير دائرة مدينة الطب، ولكادر غرفة العناية المركزة والإنعاش في مستشفى بغداد التعليمي، على ما قدموه من اهتمام ورعاية ومتابعة لولدي مصطفى خلال فترة رقوده في المستشفى.
مصطفى دخل المستشفى وهو في حالة صحية خطيرة جدًا، وبفضل جهود الكادر الطبي تحسنت حالته الصحية من صفر% إلى 50%، وعادت أعضاؤه الحيوية إلى العمل بعد أن كانت حالته في غاية الخطورة. وهذا جهد يستحق الشكر، ولا يمكن لأي إنسان منصف أن ينكره.
لكن بعد ذلك تبدأ القصة الأخرى… القصة التي لا يتحدث عنها المسؤولون كثيرًا.
قصة المواطن عندما يخرج من باب المستشفى الحكومي ويجد نفسه وحيدًا في مواجهة سوق طبي لا يرحم.
المشكلة في العراق لم تعد فقط مشكلة نقص أدوية أو أجهزة أو إمكانيات. المشكلة أصبحت منظومة كاملة تترك المريض يتنقل بين المستشفى الحكومي والطبيب الخاص والصيدلية والمختبر ومركز الأشعة، وفي كل محطة هناك فاتورة جديدة.
المستشفيات الحكومية، رغم وجود أطباء وكوادر مخلصة تعمل في ظروف صعبة، لا تملك للأسف كل الإمكانيات أو الأدوية اللازمة لتخفيف وعلاج الأمراض المزمنة أو مضاعفاتها. وعندما لا يتوفر الدواء، لا يملك المريض إلا أن يذهب إلى الصيدليات الخارجية ويدفع من جيبه، مهما كان وضعه المالي.
أما المستشفيات الأهلية التي تعاقدت مع وزارة الصحة ضمن مشروع الضمان الصحي، فهنا يجب أن نسأل بصراحة: أين ذهبت فكرة الضمان إذا كان المريض لا يزال يدفع؟
المريض يجد نفسه أمام أجرة الطبيب، وأجرة فندقية عن كل ليلة مبيت، فضلًا عن الأدوية غير المتوفرة التي يضطر إلى شرائها من الصيدليات الخارجية، وبأسعار تفوق الخيال.
أي ضمان هذا الذي يجعل المريض يدفع أجرة الطبيب، ويدفع أجور المبيت، ثم يخرج من المستشفى ليشتري الأدوية من الخارج؟
وأين هي الرقابة؟
ومن يراقب؟
ومن يحاسب؟
بعد خروج ولدي مصطفى من مستشفى الطب، انتقلت مرحلة علاجه إلى الطبيب الخاص. وهناك تبدأ معاناة أخرى: طوابير طويلة، وساعات انتظار، وكشفية عالية السعر، ثم أدوية من الصيدلية الموجودة تحت عياداته، وبمبالغ خيالية.
أصبحت كل مراجعة أسبوعية لمصطفى تكلفني ما بين 450 ألفًا إلى 600 ألف دينار عراقي.
أكررها حتى يستوعبها المسؤول الذي يعيش بعيدًا عن معاناة المواطن:
450 ألفًا إلى 600 ألف دينار عراقي كل أسبوع، فقط من أجل متابعة مريض ومحاولة إبقائه حيًا.
فكم يحتاج هذا المريض في الشهر؟
وكم يحتاج في السنة؟
وماذا يفعل الموظف محدود الدخل؟
وماذا يفعل الفقير؟
هل يبيع بيته؟
هل يبيع سيارته؟
هل يستدين؟
هل يبيع ما تبقى من ممتلكاته؟
أم ينتظر حتى يعجز عن دفع تكاليف العلاج، ثم يترك ابنه لمصيره؟
ثم يأتي السؤال الذي لا أجد له جوابًا:
من يحاسب أصحاب العيادات الخارجية والمستشفيات ذات الخمس نجوم؟
عندما يصل سعر العلاج إلى أكثر من 200 ألف دينار، وسعر الأشعة العادية إلى 75 ألف دينار، والتحليل إلى 150 ألف دينار، فماذا بقي للمواطن الفقير؟
وماذا عن المفراس والدوبلير وجهاز السايبر، عندما يمكن أن تصل تكلفتها إلى ملايين الدنانير؟
هل أصبحت صحة العراقي سلعة؟
هل أصبح المرض موسمًا للربح؟
وهل أصبحت حياة الإنسان مرتبطة بقدرته على الدفع؟
أنا لا أتهم كل طبيب، ولا أضع كل مستشفى في سلة واحدة. هناك أطباء شرفاء وكوادر مخلصة، وهناك من يعمل ليلًا ونهارًا لإنقاذ المرضى، وأنا شخصيًا شاهدت ذلك مع ولدي مصطفى، ولذلك بدأت مقالي بالشكر.
لكنني أهاجم منظومة الرقابة والتسعير والتنظيم التي تسمح بأن يصل المريض إلى هذه المرحلة من الاستنزاف المالي دون أن يجد جهة تحميه.
أين التسعيرة الحكومية الواضحة والملزمة؟
أين الرقابة على أجور الأطباء؟
أين الرقابة على أسعار الأشعة والتحاليل؟
أين الرقابة على أسعار الأدوية؟
أين الرقابة على الصيدليات المرتبطة بالعيادات؟
وأين الرقابة على المستشفيات الأهلية المتعاقدة مع وزارة الصحة ضمن مشروع الضمان الصحي؟
هل يكفي أن تضع الوزارة اسم “الضمان الصحي” على المشروع ثم تترك المواطن يواجه الفواتير واحدة تلو الأخرى؟
الضمان الصحي ليس اسمًا يُكتب على ورق. الضمان الصحي يعني أن لا يتحول المرض إلى إفلاس للعائلة.
أنا أتحدث هنا عن تجربة شخصية عشتها بكل تفاصيلها، لا عن قصة سمعتها من أحد.
أنا أب رأيت ابني يصارع المرض، وفي الوقت نفسه رأيت مدخراتي تصارع فواتير العلاج.
دفعت، واستدنت، وبعت ما استطعت بيعه، وكل ذلك من أجل شيء واحد: أن يبقى ولدي حيًا.
وهنا أصل إلى أكثر نقطة قسوة في هذه الرحلة.
أسعار العلاج الحالية تقول للمريض الفقير:
مت… أو احتفظ بأموالك ليوم موتك.
لكن حتى الموت لم يعد مجانيًا.
فالقبر يحتاج إلى ملايين أيضًا؛ أرض، وأجرة دفان، وشاهد قبر يضعون عليه اسمك واجرة سيارة تنقلك الى مثواك الاخير ومبلغ غداء المرافقين.
أي مفارقة أكثر قسوة من هذه؟
إنسان لا يستطيع أن يدفع ثمن علاجه لكي يعيش، ثم يحتاج إلى المال حتى يُدفن عندما يموت!
هذه ليست قضية مصطفى وحده.
هذه قضية كل عراقي يمرض اليوم، وكل عائلة يمكن أن تستيقظ غدًا على مرض مفاجئ لأحد أفرادها.
المرض لا يسأل عن راتبك.
ولا يسأل عن وظيفتك.
ولا يسأل عن عدد أطفالك.
ولا يسأل إن كنت مديونًا للبنك أو لا تملك في جيبك سوى أجرة النقل.
لكن منظومة العلاج، عندما تكون بلا رقابة حقيقية، تجعلك تدفع مقابل كل شيء.
ولهذا أقول للمسؤولين عن الصحة في العراق:
كفى صمتًا عن فوضى الأسعار.
كفى تركًا للمريض بين المستشفى والطبيب والصيدلية والمختبر ومركز الأشعة.
كفى التعامل مع صحة المواطن وكأنها سوق مفتوح لمن يملك المال.
نحن لا نطلب العلاج مجانًا.
ولا نطلب من الطبيب أن يعمل بلا مقابل.
ولا نطلب من المستشفى أن يعمل بلا كلفة.
نحن نطلب شيئًا أبسط بكثير:
رقابة حقيقية، وتسعيرة عادلة، وأدوية متوفرة، وشفافية في الضمان الصحي، ومحاسبة كل من يستغل حاجة المريض.
فالمريض ليس زبونًا عاديًا يستطيع أن يساوم على السعر.
المريض يأتي وهو خائف، متألم، وأحيانًا بين الحياة والموت.
وعندما يكون ابني في العناية المركزة، لا أستطيع أن أقول للطبيب: “هذا السعر مرتفع، سأبحث عن طبيب آخر.”
وعندما يحتاج إلى دواء غير متوفر، لا أستطيع أن أقول له: “انتظر حتى ينخفض سعره.”
هذه ليست تجارة ملابس أو سيارات. هذه حياة إنسان.
ولذلك فإن السؤال الحقيقي الذي يجب أن يواجه وزارة الصحة والجهات الرقابية ليس: كم مستشفى افتتحنا؟ وكم مشروعًا أعلنّا؟
السؤال الحقيقي هو:
كم مريضًا عراقيًا يستطيع أن يتعالج ويحافظ على حياته دون أن يبيع كل ما يملك؟
أنا اليوم لا أكتب لأطلب امتيازًا خاصًا لولدي مصطفى الذي لا يزال يعاني لغاية الان.
أكتب لأنني عشت التجربة، وأعرف كم يمكن أن يكون الطريق قاسيًا على الأب عندما يصبح أمام خيارين: أن يدفع ما لا يملك، أو يرى ابنه يتألم.
وأقولها بصراحة:
إذا كان العلاج في العراق لا يستطيع أن يحمي الفقير، وإذا كان الضمان الصحي لا يستطيع أن يخفف عنه، وإذا كانت الرقابة لا تستطيع أن تمنع استغلال المريض، فالمشكلة لم تعد في المريض ولا في الطبيب وحده؛ المشكلة في منظومة كاملة تحتاج إلى مراجعة ومحاسبة وإصلاح حقيقي.
لأن صحة الإنسان ليست امتيازًا للأغنياء.
والحياة ليست خدمة مدفوعة حسب قدرة المواطن على الدفع.

اترك رد