ذلك الكرسي …

 

 

ذلك الكرسي …

د .مظهر محمد صالح

 

عدتُ إلى البلاد في تشرين الأول من عام 1989، أحمل دكتوراه في الاقتصاد من المملكة المتحدة، وأحمل معها سنواتٍ من الغربة والسهر والكتب والانتظار.

قبل عودتي، كانت أوراقي قد قطعت رحلتها الطويلة بين الجامعات والتصديقات والملحق الثقافي، حتى اكتملت الأختام، وبقي أن تكتمل حياتي.

راجعتُ الوزارة.

كان عليّ أن أستكمل إجراءات التعيين، ثم أراجع دوائر التجنيد لأثبت موقفي من الخدمة العسكرية.

توقيعاتٌ وتأشيرات، طوابق أصعدها وأخرى أنزلها، وممراتٌ طويلة، وملفٌ أحمله كأنني أحمل سنوات عمري بين يدي.

لم يبقَ سوى توقيع أخير.

دخلتُ على امرأةٍ تجلس خلف مكتبها.

ألقيتُ السلام، وقدّمتُ الملف.

أخذت تقلّب أوراقي.

وقفتُ أنتظر.

وكان هناك كرسي إلى جانبي.

جلست.

جلست فقط.

لم أفكر.

كنتُ متعبًا.

فجاء صوتها:

«قف! لا يجوز لك الجلوس!»

وقفت.

لم أجادل.

لم أقل لها إنني في أواخر الثلاثينيات، وإن في يدي دكتوراه، وإنني عدتُ من بلادٍ بعيدة لأخدم بلادي.

لم أقل شيئًا.

وقفت.

لكن شيئًا في داخلي لم يعد إلى مكانه بعد ذلك اليوم.

لم يكن الأمر يتعلق بكرسي.

فالكرسي خشبٌ وحديد، ويمكن للإنسان أن يقف.

المشكلة أن بعض الكلمات تجعل الإنسان يشعر أنه أصغر من عمره، وأقل من علمه، وأضعف من كرامته.

خرجتُ.

وأخذتُ ملفي.

ثم مضيت.

ولم أكن أعرف أنني كنتُ قد أخذتُ معي أيضًا جرحًا صغيرًا، سيكبر كلما كبرت الأيام.

بعد أقل من عام جاء الحصار.

ثم الحرب.

ثم الدمار.

وصارت الحياة شيئًا آخر.

كابدنا سنواتٍ طويلة، نبحث عن أبسط أسباب العيش، ونحاول أن نحفظ ما بقي في أرواحنا من كرامة.

وفي خضم كل ذلك، كنتُ أظن أنني نسيت.

لكنني لم أنسَ.

عجيبٌ أمر الذاكرة…

تنسى وجوهًا كثيرة، وأسماءً كثيرة، وأيامًا كاملة، لكنها تحتفظ أحيانًا بتفصيلٍ صغير لا قيمة له عند الآخرين.

أنا لا أذكر اليوم كثيرًا من تلك الغرفة.

ولا أذكر اسمها.

لكنني أذكر الكرسي.

ذلك الكرسي.

أذكره أكثر مما ينبغي.

لأنني لم أفهم يومها أن الإنسان قد يقضي عمرًا كاملًا وهو يحاول أن يستعيد شيئًا سُلب منه في لحظة.

لم تُسلب مني وظيفة.

ولا شهادة.

ولا مال.

سُلبت مني، في تلك اللحظة، مساحة صغيرة من الكرامة.

وربما لهذا بقيت.

قد تكون هي نسيت الأمر بعد دقائق.

أما أنا، فقد حملته سنوات.

هي قالت: «قف».

فوقفت.

لكنني، منذ ذلك اليوم، لم أتوقف عن السؤال:

لماذا كان عليها أن تهينني كي أستجيب؟

ربما لم تكن تعرف ماذا صنعت.

وربما لم تقصد أن تترك في إنسانٍ كل هذا الأثر.

لكن الجروح لا تحتاج إلى نيةٍ كي تؤلم.

مرت السنوات.

وتبدلت البلاد.

وتبدلت الوجوه.

وصرتُ أكبر من ذلك الموقف بكثير.

لكنني كلما عدتُ إليه في ذاكرتي، رأيت الرجل نفسه:

رجلًا عاد من الغربة بشهادة الدكتوراه، وفي قلبه شيء من الفرح لأنه عاد إلى وطنه.

ثم جلس على كرسي.

فقيل له: قف.

فوقف.

ومنذ ذلك اليوم…

وهو يحاول أن يعرف:

كم يحتاج الإنسان من العمر حتى يشفى من كلمةٍ قيلت له في لحظة؟

لا أدري.

كل ما أعرفه أن ذلك الكرسي كان صغيرًا جدًا.

لكن الجرح الذي تركه كان أكبر من الكرسي، وأطول عمرًا منه.

ولهذا، لا أطلب منها اعتذارًا.

ولا أبحث عنها.

ولا أريد أن أنتقم.

فالعمر علّمني أن بعض الحسابات ليست لنا.

أضع تلك اللحظة في يد الله، وأقول:

حسبي الله ونعم الوكيل.

فقد تضيع المظالم في مكاتب البشر، وتُغلق الملفات، وتجف الأحبار، وينسى الناس.

لكنني أؤمن أن هناك يومًا لا يحتاج فيه المظلوم إلى شرح قصته.

يومها لن يكون هناك مكتب.

ولا موظف.

ولا ملف.

ولا كرسي.

سيكون هناك حقٌّ وعدل.

وسأعرف، أخيرًا، لماذا كان عليّ أن أقف.

اترك رد


اكتشاف المزيد من جريدة الأقلام الدولية International pens newspaper

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة