تشرين بغداد: زقزقة العصافير ومتلازمة المطر
د.مظهر محمد صالح
لم يمضِ فجر بغداد بسكينته المعتادة، وقد غلّفته نسائم تشرين، ذلك الشهر الذي تتخفف فيه المدينة من قيظها، وتستعيد شيئًا من عطرها القديم، حين يصبح الهواء أكثر رقة، والسماء أقرب إلى القلب، ويغدو الخريف العراقي اعتدالًا له مذاق خاص.
وقفتُ عند نافذة الصباح، وأخذتني نظرة بعيدة إلى شجرة البامبو الدائمة الخضرة، القائمة في حديقتنا المنزلية الصغيرة، شجرتنا التي ألفنا حضورها حتى غدت جزءًا من ذاكرة المكان، وربما جزءًا من أسراره أيضًا.
لكن شيئًا غير مألوف استوقفني.
كانت العصافير تزقزق بكثافة عجيبة، في تناغم لم أعهده منها من قبل كأنها لا تغرّد للصباح، بل تتواطأ معه على سرّ لا أعرفه. لم تكن زقزقتها مجرد أصوات متناثرة في فضاء الحديقة، بل بدت لي كأنها موسيقى خفية تسبق حدثًا سماويًا.
تأملت المشهد طويلًا، وتسلل إلى داخلي شعور غامض، حتى خُيّل إليّ أن أمرًا ما يجري في أعالي السماء، وأن هذه الكائنات الصغيرة تعرف من أسرار الطبيعة ما لا نعرفه نحن.
فقلت في سري:
سبحان الله العظيم لعلها تسبّح لحدثٍ عظيم.
وما هي إلا لحظات حتى تبدل المشهد فجأة.
اختفت العصافير دفعة واحدة، كأن يدًا خفية استدعتها إلى مخابئها. غادرت أغصان الشجرة العملاقة دون ضجيج أو فوضى، وكأنها أدّت طقسًا مقدسًا ثم انصرفت في صمت. بقيت الشجرة وحدها، ساكنةً، شامخةً، كأنها تنتظر هي الأخرى ما ستقوله السماء.
مرت ثوانٍ معدودات
ثم جاءت قطرة.
وتبعتها أخرى.
ثم انفتحت السماء على زخات مطر صباحية رقيقة، لكنها كانت كافية لتعلن أن تشرين قد جاء حقًا، وأن بغداد بدأت تستعيد طقسها الجميل، وأن المطر، حين يأتي في موعده، لا يكون مجرد ماء يهطل من السماء، بل رسالةً من الغيب إلى الأرض.
عندها أدركت أن ما حسبته في البداية مجرد زقزقة عابرة، ربما كان جزءًا من ذلك النظام البديع الذي لا نراه كاملًا، ولكننا نشعر بأثره.
كانت العصافير قد سبقت المطر.
وكأنها قرأت في صفحة السماء ما لم تستطع عيناي قراءته.
تأملت المشهد طويلًا، وبقي السؤال معلقًا في داخلي: هل كانت تلك الزقزقة مجرد مصادفة سبقت المطر، أم أن في الطبيعة من الأسرار والإشارات ما تعجز حواسنا المحدودة عن إدراكه؟
ربما لا نملك إجابة قاطعة، وربما لا نحتاج إليها دائمًا.
فثمة أشياء في الحياة أجمل حين تبقى محاطة بشيء من الغموض ،لأن الغموض لا ينتقص من الحقيقة، بل يفتح أمام الإنسان باب الدهشة، ويجعله أكثر إصغاءً لما يدور حوله.
لقد اعتدنا أن ننظر إلى الطبيعة بوصفها مشهدًا صامتًا، لكنها في الحقيقة عالم نابض بالإشارات. فالطيور تشعر، والأشجار تتغير، والسماء تتبدل، والأرض تستجيب وكل ذلك يجري في منظومة دقيقة لا نرى منها إلا جزءًا يسيرًا.
وربما كان الإنسان، وسط هذا الكون الواسع، يحتاج أحيانًا إلى أن يتوقف عن محاولة تفسير كل شيء، وأن يكتفي بأن ينصت.
ينصت إلى زقزقة العصافير.
إلى صمت الشجرة.
إلى أول قطرة.
وإلى ذلك الصوت الخفي الذي تقوله السماء قبل أن يهطل المطر.
تأملت شجرتنا مرة أخرى، وقد غسلت أوراقها قطرات تشرين، فبدت أكثر اخضرارًا وحياةً وكأن المطر لم يأتِ ليبللها فحسب، بل ليجدد فيها سرًا قديمًا من أسرار الحياة.
وما أروع بغداد حين تمطر!
وما أروع تشرين حين يأتيها محمّلًا برائحة الأرض، وبزقزقة العصافير، وبذلك الوعد القديم بأن الحياة، مهما أرهقها الصيف، تعرف دائمًا طريقها إلى التجدد.
وفي صباح بغدادي من صباحات تشرين، علّمتني العصافير أن للطبيعة لغةً أخرى، وأن للمطر مقدماتٍ قد لا تسمعها الآذان، ولكن قد يلتقطها قلبٌ اعتاد أن يصغي.
زقزقةٌ ثم صمتٌ ثم مطر.
ثلاثة مشاهد قصيرة، لكنها في ذلك الصباح بدت لي كأنها قصيدة كتبتها السماء على شجرةٍ بغدادية، وقرأتها العصافير قبلنا.
قصيدةٌ عن الحياة، وعن التجدد، وعن ذلك التناغم العجيب بين الكائنات والسماء والأرض.
سبحان من جعل في كل قطرةٍ حياة، وفي كل طائرٍ آية، وفي كل صباحٍ عراقي حكاية

اترك رد