خفض الدينار يثقل كاهل العراقيين.. أين الحلول الحقيقية؟

 

 

خفض الدينار يثقل كاهل العراقيين.. أين الحلول الحقيقية؟

 

عامر جاسم العيداني

 

يواجه العراق أزمة اقتصادية ومالية نتيجة تقلبات أسعار النفط وتراجع الإيرادات الدولارية الأمر الذي يتطلب مراجعة السياسات المالية والنقدية والبحث عن حلول مستدامة تعالج جذور الأزمة بدلا من تحميل المواطنين أعباء إضافية.

إن خفض قيمة الدينار العراقي أمام الدولار يمنح الحكومة عددا أكبر من الدنانير مقابل الإيرادات النفطية لكنه لا يحقق زيادة حقيقية في الثروة الوطنية فعندما يرتفع سعر الدولار من 1300 إلى 1520 دينارا سوف تحصل الخزينة على 220 مليار دينار إضافية مقابل كل مليار دولار غير أن هذه الزيادة حسابية بالعملة المحلية ولا تعوض بالضرورة خسارة الإيرادات الناتجة عن تراجع الصادرات النفطية.

كان الأجدر بالحكومة استنفاد البدائل المالية والإدارية قبل اللجوء إلى خفض قيمة الدينار من خلال ترشيد النفقات العامة ومراجعة أوجه الصرف غير الضرورية وإصلاح منظومة الرواتب والتقاعد بما يحقق العدالة ويحد من التجاوزات مع الحفاظ على الحقوق المكتسبة وعدم تحميل أصحاب الدخول المحدودة كلفة الأزمة.

كما كان ينبغي تعظيم الإيرادات غير النفطية عبر مكافحة التهرب الضريبي والجمركي وتشديد الرقابة على المنافذ الحدودية والحد من الفساد والتلاعب في قيم الاستيراد. وإلى جانب ذلك يتعين تطوير إدارة أملاك الدولة وأصولها وحصر العقارات والأراضي والممتلكات الحكومية ومراجعة عقود الإيجار والاستثمار واستثمار الأصول المعطلة بشفافية وكفاءة لزيادة الإيرادات العامة.

ولا يعني ذلك أن خفض سعر الصرف يمكن تجنبه في جميع الظروف لكنه ينبغي ألا يكون بديلا عن الإصلاح المالي والإداري بل قرارا تسبقه دراسة دقيقة لآثاره الاقتصادية والاجتماعية مع اتخاذ إجراءات تحمي القدرة الشرائية للمواطنين وتحد من ارتفاع الأسعار.

أما الإصلاح المستدام فيبدأ بتنشيط الإنتاج الوطني وتنويع مصادر الدخل. ويتطلب ذلك تقييم المصانع المتوقفة وإعادة تشغيل القابل منها للتأهيل وفق دراسات جدوى اقتصادية وتوفير مستلزمات الإنتاج والطاقة والتمويل والإدارة الكفوءة بما يسهم في تقليل الاستيراد وتوفير فرص العمل.

كما ينبغي تشجيع القطاع الخاص على إدارة المصانع وتطويرها من خلال الشراكات والاستثمار والخصخصة المدروسة عند ثبوت جدواها مع ضمان الشفافية وحماية حقوق العاملين ومنع الاحتكار ويواكب ذلك تحسين بيئة الاستثمار وتبسيط الإجراءات الإدارية ودعم قطاعات الزراعة والسياحة والنقل والخدمات اللوجستية لتقليل الاعتماد المفرط على النفط.

إن مواجهة الأزمة تتطلب برنامجا حكوميا معلنا بجدول زمني ومؤشرات قابلة للقياس يجمع بين ضبط الإنفاق وتنمية الإيرادات غير النفطية ومكافحة الفساد وإدارة أصول الدولة بكفاءة وتحفيز الإنتاج وحماية أصحاب الدخول المحدودة.

إن الأزمة الاقتصادية في العراق ليست مجرد عجز في الموازنة بل هي اختبار لقدرة الدولة على إدارة ثرواتها وتحويلها إلى إنتاج وفرص عمل وتحسن في مستوى المعيشة. فنجاح السياسات الاقتصادية لا يقاس بحجم الأموال التي تدخل الخزينة وحده بل بقدرتها على تعزيز الاقتصاد الوطني وتحقيق العدالة الاقتصادية.

إن تخفيض قيمة الدينار العراقي لا يقتصر أثره على السياسة النقدية بل يمتد إلى الحياة اليومية للمواطن إذ يؤدي إلى ارتفاع أسعار السلع المستوردة والمواد الغذائية والأدوية والأجهزة المنزلية ويزيد أعباء المعيشة على الأسر العراقية. ومع ثبات الرواتب وتراجع قيمتها الفعلية يجد المواطن نفسه مضطرا إلى تقليص مشترياته والتخلي عن بعض احتياجاته الأساسية فيما تتآكل مدخراته وتتراجع قدرته على مواجهة متطلبات الحياة.

وتزداد خطورة هذه التداعيات عندما لا يقترن القرار بإجراءات لحماية ذوي الدخل المحدود وضبط الأسواق ومنع الاستغلال وتعزيز الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الاستيراد، فالمشكلة لا تكمن في سعر الصرف وحده بل في اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على النفط ويستورد معظم احتياجاته ويعاني ضعف تنويع الإيرادات والإنتاج.

لذلك فإن معالجة العجز المالي لا ينبغي أن تكون على حساب القدرة الشرائية للمواطن بل من خلال ترشيد الإنفاق الحكومي ومكافحة الهدر والفساد وتعظيم الإيرادات غير النفطية وإصلاح النظامين الضريبي والجمركي. فاستقرار الاقتصاد لا يقاس بالأرقام المالية وحدها بل بقدرة المواطن على تأمين احتياجات أسرته والحفاظ على مستوى معيشي كريم.

إن العراق لا تنقصه الثروات بل يحتاج إلى إرادة سياسية تجعل الإصلاح أولوية والمال العام وسيلة للتنمية لا مجرد أداة لتغطية النفقات. فالأوطان لا تبنى بإضعاف عملاتها أو زيادة الأعباء على شعوبها بل بتحويل الموارد إلى إنتاج والثروة إلى تنمية والوعود إلى إنجازات ملموسة.

اترك تعليقاً


اكتشاف المزيد من جريدة الأقلام الدولية International pens newspaper

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة