جعفر صاحب… العالم الذي لم تفارقه الابتسامة .

 

 

جعفر صاحب… العالم الذي لم تفارقه الابتسامة . 

 

زكية خيرهم – المغرب

 

كلمة وفاء في أربعينية رحيل الأستاذ الدكتور جعفر عبد المهدي صاحب
ثمة أشخاص يعبرون حياتنا، ثم يمضون، فلا يبقى منهم سوى ذكرى عابرة، وثمة آخرون يتركون في الذاكرة شيئًا من دفء حضورهم، وكرم نفوسهم، وصدق مودتهم، حتى يصبح استحضارهم استعادةً لزمن جميل عشناه معهم. وحين يرحلون، ندرك أن بعض العلاقات الإنسانية لا تُقاس بطول السنوات، وإنما بما تتركه في القلب من أثر. كان الأستاذ الدكتور جعفر عبد المهدي صاحب واحدًا من هؤلاء الذين سعدت بمعرفتهم، واحتفظت لهم في ذاكرتي بصورة إنسانية جميلة. لم تبدأ معرفتي به من خلال مؤلفاته وأبحاثه الأكاديمية، وإنما عبر جسر ثقافي وإنساني جمعنا في النرويج. فقد تعرفت إليه عن طريق صديقنا المشترك، البروفيسور والمستشرق الصربي رادي بوزوفيتش، الذي كانت لي معه تجربة أدبية مميزة، إذ ترجم إحدى رواياتي من اللغة العربية إلى اللغة الصربية. ومن خلال هذه الصداقة الثقافية، امتدت جسور التعارف إلى الدكتور جعفر صاحب وأسرته الكريمة. كان الدكتور جعفر قد عاش سنوات في صربيا، وارتبط بعالم البلقان ارتباط الباحث الذي لم يكتفِ بدراسة تاريخ شعوب المنطقة من بعيد، بل اقترب من ثقافاتها وقضاياها وتحولاتها السياسية والاجتماعية. وقد انعكس هذا الاهتمام في مؤلفاته العديدة التي تناولت قضايا كوسوفو وصربيا والبوسنة والهرسك واتفاقية دايتون وغيرها من الموضوعات التي شغلت الفكر السياسي المعاصر.
غير أنني اليوم، ونحن نحيي ذكرى أربعين يومًا على رحيله، لا أريد أن أستعرض سيرته الأكاديمية الحافلة، ولا أن أتوقف طويلًا عند شهاداته العلمية وألقابه وأوسمته، على أهميتها جميعًا. فهناك من هو أقدر مني على الحديث عن إنتاجه العلمي ومكانته البحثية. أما أنا، فأود أن أتحدث عن جعفر صاحب الذي عرفته إنسانًا وصديقًا، وجمعتني به وبأسرته لقاءات لا تزال حاضرة في ذاكرتي. أتذكر بكل محبة وامتنان دعوته الكريمة لي إلى بيته، وكيف استقبلتني أسرته استقبالًا رائعًا، أحاطتني فيه بالحفاوة والود، وأكرمتني بعشاء فاخر. وما زلت أذكر تلك الأمسية الجميلة، لا بما قُدّم فيها من طعام فحسب، بل بما حملته من دفء إنساني وكرم أصيل. فالضيافة الحقيقية ليست في وفرة ما يوضع على المائدة، وإنما في ذلك الشعور الجميل الذي يغادر به الضيف البيت، وقد أحس أنه كان بين أهله. وكان لي أيضًا شرف استقبال الدكتور جعفر وزوجته الكريمة وابنه في بيتي بأوسلو، حيث شاركونا بعض لقاءات صالوني الأدبي. كما سعدت بدعوتهم إلى بيتي عند قدومهم إلى النرويج، بعد سنوات إقامتهم في صربيا. وكانت تلك اللقاءات فرصة لتبادل الأحاديث والآراء، ولتعزيز صداقة تجاوزت حدود التعارف الثقافي إلى المودة الإنسانية والعائلية.
ولعل أكثر ما أحببت في شخصية الدكتور جعفر صاحب أنه لم يكن من أولئك الأكاديميين الذين يختبئون خلف ألقابهم العلمية، أو يجعلون من المعرفة حاجزًا بينهم وبين الآخرين. كان رجلًا منفتحًا، محبًا للضحك، واسع الاهتمامات، يستمتع بالنقاش في شتى لموضوعات. لم تكن جلساته محاضرات جامعية، بل لقاءات إنسانية وثقافية تتسع للرأي والرأي الآخر، وللجد حين يستدعي الأمر جدية، وللدعابة حين يحلو الحديث. كان يستطيع أن ينتقل من موضوع سياسي إلى قضية تاريخية، ومن نقاش فكري إلى حديث اجتماعي، دون أن يفقد تلك الروح المرحة التي تضفي على الجلسة حيوية ومتعة. ولم يكن اختلاف الآراء عائقًا أمام الحوار، بل كان جزءًا من ثرائه. فقد كان منفتحًا على الأفكار، مستعدًا للاستماع والمناقشة، بعيدًا عن التعصب والانغلاق. وهذه، في نظري، من أجمل الصفات التي يمكن أن يتحلى بها المثقف الحقيقي؛ أن تكون المعرفة قد وسّعت أفقه بدل أن تضيق صدره، وأن يكون علمه قد قرّبه من الناس بدل أن يبعده عنهم.
لقد جمع الدكتور جعفر صاحب بين عمق المعرفة وبساطة التعامل، وبين جدية الباحث وروح الإنسان المحب للحياة. وكان ذلك التوازن الجميل من أكثر ما ميّز شخصيته في ذاكرتي. وحين نتأمل مسيرته، من النجف الأشرف حيث ولد ونشأ، إلى بغداد حيث تلقى تعليمه الجامعي، ثم بلغراد حيث واصل دراساته العليا، وصولًا إلى ليبيا التي أمضى فيها سنوات طويلة من التدريس الجامعي، ندرك أننا أمام تجربة علمية وإنسانية غنية، عبرت حدود البلدان واللغات والثقافات. لقد اختار أن ينشغل بقضايا الشعوب وتاريخها وصراعاتها، وأن يقرّب إلى القارئ العربي جانبًا من عالم البلقان الذي كثيرًا ما عرفناه من خلال الحروب والأزمات السياسية. وأسهمت مؤلفاته وترجماته وأبحاثه في فتح نوافذ معرفية على هذه المنطقة، وفي إثراء المكتبة العربية بدراسات متخصصة في شؤونها. ولم يقتصر عطاؤه على التأليف والبحث، بل امتد إلى أجيال من الطلبة والباحثين الذين أشرف على دراساتهم وناقش أعمالهم العلمية. ولعل هذا هو الامتداد الأجمل في حياة الأستاذ الجامعي؛ أن يترك شيئًا من علمه في عقول الآخرين، وأن تستمر الأسئلة التي أثارها والمعارف التي نقلها بعد رحيله.
وقد حظيت جهوده العلمية بتقدير خارج العالم العربي، ومن أبرز مظاهر ذلك تكريمه في جمهورية صربيا، ومنحه وسام الجدارة الفضي سنة 2013، تقديرًا لإسهاماته البحثية والثقافية.
لكن الأوسمة، مهما علت قيمتها، لا تختصر الإنسان كله. فقد يحمل المرء أرفع الشهادات، وينال أسمى التكريمات، ثم تبقى أجمل شهادة له تلك التي يقدمها أصدقاؤه حين يتحدثون عن أخلاقه، وكرمه، وتواضعه، وحسن معاشرته. واليوم، وأنا أستعيد ذكرياتي مع الدكتور جعفر صاحب، لا تحضر أمامي صورة الأستاذ الجامعي وحدها، بل صورة الرجل الذي كان يحب الضحك والنقاش، ويستمتع بصحبة الآخرين، ويفتح بيته وقلبه لأصدقائه. تحضر صورة أسرته الكريمة، وتلك اللقاءات التي جمعتنا حول مائدة الطعام، وفي أمسيات الأدب والثقافة، حيث كانت الكلمات تتبادل بحرية، وكانت الصداقة تنمو بعيدًا عن الرسميات والتكلف.
وثمة كلمات تبقى في الذاكرة، لا لأنها طويلة أو بليغة، بل لأنها خرجت من القلب ووصلت إلى القلب. وما زلت أحتفظ بآخر رسالة كتبها لي الدكتور جعفر صاحب عبر الواتساب، قال فيها:
«مجرد سماع صوتك هو عيدية».
لم أكن أعلم حين قرأت تلك الكلمات أنها ستكون آخر ما يكتبه إليّ. واليوم، وأنا أستعيدها في ذكرى أربعين يومًا على رحيله، أشعر أن هذه العبارة الصغيرة تختصر شيئًا كبيرًا من إنسانيته ودفء صداقته. كان يعرف كيف يمنح الآخرين شعورًا بالمحبة والتقدير، وكيف يجعل من أبسط الأشياء مناسبة للفرح. يا صديقي الراحل، لقد قلت يومًا إن مجرد سماع صوتي عيدية، أما أنا فأقول اليوم إن معرفتك كانت هدية جميلة من هدايا الحياة، وإن صوتك وضحكتك وذكرياتك ستظل حاضرة في القلب، حتى وإن غيّبك الموت عن أعيننا. إن الموت حقيقة لا يستطيع الإنسان أن يغيّرها، لكن ما يستطيع أن يفعله هو أن يجعل حياته جديرة بأن تُستعاد بعد رحيله. فالإنسان لا يبقى بما امتلكه، وإنما بما منحه، ولا يُذكر بما قاله عن نفسه، وإنما بما تركه في نفوس الذين عرفوه. ولعل في اجتماعكم اليوم، بعد أربعين يومًا على رحيله، ما يؤكد هذه الحقيقة. فأنتم لا تستحضرون الغياب وحده، بل تستحضرون حياة كانت مليئة بالعمل، والعلاقات الإنسانية والتجارب الفكرية والثقافية. تستعيدون رجلًا ترك أثرًا في الجامعة والكتاب، وفي قلوب أصدقائه ومحبيه.
كنت أتمنى أن أكون بينكم في هذا اللقاء الوفائي، وأن أشارككم استعادة الذكريات والحديث عن صديق عزيز، غير أن سفري إلى المغرب يوم السبت السابع عشر من أكتوبر يحول دون حضوري. ولذلك أبعث إليكم بهذه الكلمات، راجية أن تكون مشاركتي المتواضعة تعبيرًا عن المحبة والتقدير والوفاء لذكرى الراحل.
وإلى زوجته الكريمة وابنه وسائر أفراد أسرته، أتقدم بخالص التعازي والمواساة، وأقول لهم إنني سأظل أذكر ذلك البيت الذي استقبلني بكل الحفاوة، وتلك المودة الصادقة التي أحاطوني بها. فهناك بيوت نزورها مرة أو مرات، لكنها تظل مفتوحة في ذاكرتنا مهما باعدت بيننا الأيام والمسافات.
وإلى أصدقائه وزملائه وطلبته ومحبيه، أقول إن الوفاء لأهل الفكر والعلم لا يكون باستذكار أسمائهم فحسب، وإنما بالحفاظ على ما تركوه من معرفة، وبمواصلة جسور الحوار والتواصل الإنساني التي أسهموا في بنائها.
أما أنت، أيها الصديق الراحل جعفر صاحب، فسأحتفظ لك بالصورة التي عرفتك بها: إنسانًا واسع الفكر، كريم الصحبة، محبًا للحياة، منفتحًا على الناس، حاضر الابتسامة، يستمتع بالنقاش، ولا يفقد روحه المرحة وسط أكثر الموضوعات جدية.
رحلت عن عالمنا، لكنك تركت وراءك علمًا ينتفع به، وكتبًا تحمل اسمك، وذكريات جميلة في قلوب الذين عرفوك.
رحمك الله رحمة واسعة، وأسكنك فسيح جناته، وألهم أسرتك وأصدقاءك ومحبيك الصبر والسلوان.
فبعض الناس يغادرون الحياة، لكنهم لا يغادرون الذاكرة، لأنهم تركوا فيها من المحبة ما يجعل الغياب عاجزًا عن محو حضورهم.

اترك تعليقاً


اكتشاف المزيد من جريدة الأقلام الدولية International pens newspaper

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة