موازنة 2027…(5) ابتلاع النفقات التشغيلية لفرص التنمية

 

 

موازنة 2027…(5) ابتلاع النفقات التشغيلية لفرص التنمية

 

د بلال الخليفة

ثالثاً: هل تكفي النفقات الاستثمارية لتحقيق التنمية؟
إن تخصيص 47.897 تريليون دينار للنفقات الاستثمارية يمثل فرصة يمكن توظيفها في تطوير الاقتصاد العراقي، إلا أن القيمة الحقيقية لهذه التخصيصات لا تقاس بحجم الأموال المرصودة فقط، بل بما يتحقق منها فعلياً على أرض الواقع.
فقد تتضمن الموازنة تخصيصات كبيرة لمشاريع استثمارية، لكن تأخر التنفيذ أو ضعف التخطيط أو ارتفاع الكلف أو التعثر في الإحالة والتعاقد قد يؤدي إلى عدم تحويل هذه الأموال إلى أصول إنتاجية وخدمات فعلية.
كما أن الاستثمار الحكومي لا ينبغي أن يقتصر على إنشاء المباني والطرق والمشاريع الخدمية، على أهميتها، وإنما يجب أن يتجه بصورة أكبر إلى المشاريع التي ترفع قدرة الاقتصاد على الإنتاج وتخفض الاستيراد وتوفر فرص العمل وتحقق إيرادات مستقبلية.
ومن أبرز القطاعات التي تستحق أولوية استثمارية:
1. الصناعات النفطية والتحويلية: تطوير المصافي والصناعات البتروكيمياوية والأسمدة والمنتجات المشتقة من النفط والغاز، بدلاً من تصدير المواد الخام واستيراد المنتجات النهائية.
2. الصناعات البلاستيكية والإنشائية: إنشاء مصانع لإنتاج الأنابيب والمواد البلاستيكية ومواد التعبئة والتغليف، بما يسهم في إحلال المنتجات المحلية محل المستوردات.
3. القطاع الزراعي والصناعات الغذائية: تطوير منظومات الري والخزن والتبريد والتصنيع الغذائي، وتقليل الاعتماد على الاستيراد.
4. قطاع الغاز والطاقة: استثمار الغاز المصاحب وتقليل حرقه، وتوفير الوقود لمحطات الكهرباء والمصانع، وتحويله إلى مصدر دخل وقيمة مضافة.
5. النقل والخدمات اللوجستية: تطوير الموانئ والسكك الحديد والطرق والمناطق الصناعية، بما يعزز موقع العراق كمركز للنقل والتجارة الإقليمية.
إن توجيه الاستثمار إلى هذه القطاعات لا يحقق التنمية فحسب، بل يمكن أن يقلل الضغط على العملة الأجنبية من خلال خفض الاستيرادات، ويزيد الإيرادات غير النفطية، ويوفر فرص عمل خارج القطاع الحكومي.
رابعاً: الإنفاق الاستثماري لا يعني بالضرورة الإنفاق المنتج
من الأخطاء الشائعة اعتبار كل تخصيص استثماري إنفاقاً تنموياً بالضرورة. فالمشروع قد يصنف ضمن الموازنة الاستثمارية، لكنه لا يحقق عائداً اقتصادياً أو اجتماعياً يتناسب مع كلفته.
ولهذا ينبغي التمييز بين الاستثمار الذي ينشئ أصلاً منتجاً أو يحسن كفاءة الاقتصاد، وبين الاستثمار الذي يقتصر على إنشاء مشروع دون دراسة كافية لجدواه أو احتياجات تشغيله وصيانته.
فعلى سبيل المثال، إنشاء مصنع حكومي دون تأمين المواد الأولية والطاقة والأسواق والإدارة الكفوءة قد يؤدي إلى تحول المشروع إلى عبء تشغيلي إضافي على الموازنة بدلاً من أن يكون مصدراً للإيرادات.
ومن هنا تبرز أهمية اعتماد دراسات الجدوى الاقتصادية والفنية والمالية قبل إدراج المشاريع، وتحديد كلف التشغيل والصيانة بعد الإنجاز، وقياس العائد المتوقع، فضلاً عن وضع مؤشرات أداء واضحة لكل مشروع.
كما ينبغي ألا تكون الأولوية للمشروع الذي يحصل على أكبر تخصيص مالي، وإنما للمشروع الذي يحقق أكبر منفعة اقتصادية واجتماعية مقارنة بكلفته.

اترك تعليقاً