
حين تتحول مشاريع البنى التحتية إلى واجهة للفشل
عامر العيداني
ليست كل مشاريع البنى التحتية التي تنجز في مدننا تعني تقدما فبعضها لا يعدو كونه واجهات هشة تخفي وراءها اختلالات عميقة في الإدارة والتنفيذ والرقابة. والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: متى تتحول هذه المشاريع من أدوات للبناء إلى شواهد على الفشل؟
تبدأ القصة من لحظة التعاقد حين لا ينظر إلى المشروع بوصفه مسؤولية وطنية بل فرصة للربح السريع عندها يتحول الكشف إلى مجرد ورقة قابلة للتأويل وتختزل المواصفات الفنية إلى أرقام يمكن الالتفاف عليها فينفذ المشروع بنصف المعايير وتستخدم مواد دون المستوى وتختصر نسب الخلط والمعالجة وكأن ما يبنى ليس بنية تحتية تخدم الناس بل هيكل مؤقت بانتظار أول اختبار.
ومع بدء التنفيذ تتكشف صورة أخرى من الإهمال حيث مواقع عمل تفتقر إلى أبسط معايير التنظيم والنظافة وفوضى تعكس غياب الانضباط وتوحي بأن ما يجري خلف الكواليس أخطر مما يظهر للعيان، فالمشروع الذي لا تحترم فيه التفاصيل الصغيرة لن يصمد أمام التحديات الكبيرة.
أما الزمن ذلك العامل الحاسم فيعامل كثيرا كعنصر ثانوي تتأخر المشاريع وتتراكم الأعذار بينما يدفع المواطن الثمن من راحته وخدماته ومع كل تأخير غير مبرر تتآكل الثقة وتتسع فجوة الشك.
غير أن جوهر المشكلة يكمن في العنصر البشري فحين تسند الأعمال إلى كوادر غير مؤهلة تفتقر إلى الخبرة يصبح الخطأ قاعدة لا استثناء وتتحول المشاريع إلى تجارب مرتجلة تدار بعقلية آنية لا تستند إلى تخطيط أو معرفة فتكون النتائج كارثية ولو بعد حين.
ولا يتوقف أثر هذا الخلل عند حدود التنفيذ السيئ، بل يمتد ليقصر العمر الافتراضي للمشروع بشكل كبير فتظهر العيوب مبكرا وتبدأ الحاجة إلى الصيانة أو إعادة التأهيل بعد فترة وجيزة. وهنا تكمن المفارقة الصادمة وندفع ثمن المشروع مرة عند تنفيذه ثم ندفعه مرة أخرى لإصلاحه وربما مرة ثالثة لإعادة تأهيله بالكامل. وفي كثير من الحالات تقترب كلفة المعالجات اللاحقة من كلفة المشروع الأصلية ليتحول الخلل الفني إلى استنزاف مفتوح للمال العام.
لكن العامل الأخطر يبقى غياب الرقابة الفاعلة فعندما تتراجع أجهزة الإشراف الهندسي والفني أو تقيد بفعل الفساد الإداري تتحول إلى شاهد صامت على الخلل بدل أن تكون أداة تصحيح. وحين تحل المحسوبية محل المعايير يكافأ التقصير ويهمش أصحاب الكفاءة.
إن ما نشهده ليس مجرد إخفاقات فردية بل نمط متكرر يستنزف موارد الدولة ويشوه ملامح المدن. فالمشاريع الرديئة لا تضر الحاضر فحسب بل ترهن المستقبل بكلف مضاعفة لإصلاح ما كان يمكن إنجازه بصورة صحيحة منذ البداية.
إن إنقاذ واقع البنى التحتية لا يحتاج إلى مزيد من الخطط بقدر ما يحتاج إلى إرادة حقيقية إرادة تضع حدا للتلاعب وتفرض الالتزام بالمواصفات وتعيد الاعتبار للرقابة وتحاسب كل من يعبث بمقدرات المدن. فالعمران ليس مجرد خرسانة وحديد بل انعكاس لقيم النزاهة والمسؤولية.
وحين تستعاد هذه القيم فقط عندها تتحول مشاريع البنى التحتية من عبء على المدن إلى ركيزة حقيقية لتطورها.

أضف تعليق