
حكمة عجوز تتحلى بالشجاعة
إيمان عبد الملك
قال إبن خلدون “أن الإيام الصعبة تخرج رجالا” أشداء “
والحروب تتطلب إستجابة من رجال أقوياء، لديهم قلوب تقاوم الصخر ،لا تلين عزائمهم أمام أصعب الظروف ،إنتمائهم للأرض وجودي عميق يمثل الهوية والتمسك بالجذور ، تضحياتهم وعطاءاتهم لا حدود لها تدفعهم لحماية وطن الآباء والأجداد .
وهذا ما يجعل المقاوم يضرب بيد من حديد،
لا يهاب الموت ويتبارك الأهل باستشهاده ،فلا القذائف تخيفهم ،ولا أصوات الغارات ترعبهم ،ولا الموت يوقفهم عن النضال الذي رسموه لطريقهم ، فشهادتهم عزة وافتخارا ،وصورة مشرفة لأسمائهم وبطولاتهم لتكون ذاكرة مشرفة تورث على مر الأجيال .
هناك قصص وروايات عديدة يقصها المحاربون ، تحاكي الواقع في ساحات القتال ،وأعجبتني قصة مؤثرة حدثت في حرب ٢٠٠٦ في جنوب لبنان ، تتكلم عن امرأة عجوز في الثمانين من عمرها ،أبت أن تترك منزلها وبقيت صامدة في أرض الجنوب ،رغم القصف العشوائي ، وأصوات الغارات المرعبة وهمجية العدو ،كانت تقاوم بجهودها وطاقتها المحدودة، تخبز على الصاج في قبو مغلق كي لا يكتشف العدو مكانها نتيجة الدخان المتصاعد ، وتبذل كل هذا الجهد لتؤمن قوت للمقاتلين ، صباح كل يوم باكرا تذهب زاحفة إلى الخطوط الأمامية وتضع الخبز الساخن وبضع حبات الزيتون في خرقة بيضاء على صخرة وتعود أدراجها ، ليأتي المجاهدون ويتناولون الزوادة يوميا ، وتكرر هذا العمل يوميا”، مما أربك المقاتلين وجعلهم يتساءلون من الذي يقوم بهذا العمل الفدائي الجبار ، فبدؤوا بمراقبة المكان ليفاجؤوا برؤية إمرأة عجوز تأتي زاحفة تحت القصف المدفعي لتضع الطعام كي تسد رمقهم وتهون عليهم صعوبة القتال ، وعندما سألها أحدهم لما تعرضين نفسك للخطر من أجلنا ولما انت باقية في هذا المكان ؟،ردت بفخر ان حياتي ليست أغلى من حياتكم ، فأنتم شباب بعمر الزهور تقدمون دمائكم لسعادة غيركم والحفاظ على أرضكم ، أما أنا لم يتبق لي الكثير من العمر فمن الصعب أن أترك أرضي ومنزلي واموت بعيدا” هنا عشت وهنا سأدفن ،ومرت الأيام وقصف منزلها وتهدم ، لكنها بقيت صامدة وأنقذت ” هي وصاج الخبز الملتوي ” من تحت الركام .
إن الشدائد والحروب ليست مجرد قتل ودمار ،بل مسار طويل ومشاهد عز في ساحات الوغى التي تحفر على صفحات المجد ، تصقل الأفراد ليبقوا عنوانا” للدفاع عن الأرض ورمزا للصمود وبناء المجتمعات .

أضف تعليق