
بين الرقابة والأنتقام ، كيف يستباح الموظف بإسم البرلمان؟
عامر العيداني
في الأنظمة الديمقراطية الحقيقية لا يقاس نفوذ النائب بقدرته على فرض الأوامر أو إطلاق التهديدات بل بمدى التزامه بدوره الرقابي والتشريعي وحرصه على حماية مؤسسات الدولة من التعسف والانحراف. غير أن ما نشهده اليوم في بعض الممارسات داخل العراق يثير قلقا مشروعا، ويطرح تساؤلات عميقة حول طبيعة النظام الذي نعيش في ظله.
حين يهدد نائب في البرلمان موظفا في أحد الأقسام الحكومية لمجرد عدم تنفيذ توجيهاته او الرد عليه دفاعا عن نفسه بلغة يعتقد انها لا تليق بمقامه فإننا لا نكون أمام خلل بسيط في السلوك بل أمام انحراف خطير في فهم السلطة. فالنائب ليس مديرا تنفيذيا ولا يملك صلاحية إصدار الأوامر الإدارية المباشرة للموظفين بل إن مهمته الأساسية هي الرقابة على الأداء وكشف الخلل ومحاسبة المقصرين عبر القنوات القانونية والدستورية.
غير أن الخطورة تتضاعف حين يتحول هذا التهديد إلى أداة انتقام عبر تقديم بلاغات إلى هيئات النزاهة أو الجهات الرقابية ليس بدافع الإصلاح أو مكافحة الفساد بل بدافع تصفية الحسابات فإتهام الموظف بالتقصير الإداري أو المالي كوسيلة ضغط أو عقاب يعد إساءة واضحة لاستخدام القانون ويفرغ مؤسسات الرقابة من دورها الحقيقي لتتحول إلى أدوات بيد المتنفذين بدلا من أن تكون حكما مستقلا يحمي العدالة.
وكان من الممكن في سياق إداري سليم أن يسلك النائب الطريق الصحيح عبر مخاطبة رؤساء الدائرة المعنية أو الإدارة المحلية لعرض ملاحظاته بشأن أداء هذا الموظف وترك مهمة التحقق والمحاسبة للجهات المختصة. فمثل هذه القضايا لا تتطلب تصعيدها إلى مستويات عليا كرفع شكوى إلى مجلس النواب أو إشغاله بتفاصيل إدارية بسيطة يمكن معالجتها ضمن الأطر المؤسسية الأدنى.
إن تضخيم القضايا الإدارية الصغيرة وتحويلها إلى استعراض للقوة أمام موظف بسيط لا يعكس حرصا على الإصلاح بقدر ما يكشف عن خلل في فهم الأدوار. فالموظف مهما كان موقعه يخضع لسلسلة إدارية واضحة تملك صلاحية محاسبته بل وحتى إنهاء عمله أو نقله عند ثبوت التقصير وفقا للقانون والأنظمة النافذة دون الحاجة إلى تدخلات استعراضية أو ضغوط خارج السياق المؤسسي.
التهديد أيا كان شكله يمثل سلوكا مرفوضا يتنافى مع مبادئ الدولة المدنية وهو لا يعكس فقط حالة من التعالي واستغلال المنصب بل يشي بوجود خلل في الثقافة الإدارية والسياسية حيث تستخدم السلطة أحيانا كوسيلة للهيمنة بدلا من كونها أداة لخدمة الصالح العام.
الديمقراطية لا تبنى على الترهيب بل على سيادة القانون ولا يمكن لأي نظام أن يدعي الديمقراطية بينما يترك الموظف البسيط عرضة لضغوط وتهديدات خارج إطار القانون. إن حماية الموظف من التعسف هي جزء أساسي من بناء دولة المؤسسات كما أن محاسبة المسؤول الذي يتجاوز صلاحياته يجب أن تكون حاضرة وفعالة لا انتقائية ولا خاضعة للموازنات السياسية.
وإذا كان الموظف الحكومي مهددا اليوم فإن الصحفي أيضا ليس بمنأى عن هذا الخطر فمجرد طرح هذه القضايا وفضحها قد يعرض الكاتب أو الإعلامي إلى ضغوط أو تهديدات مماثلة في بيئة لا تزال حرية التعبير فيها تواجه تحديات جدية. ومع ذلك تبقى الكلمة الحرة هي الخط الأول في مواجهة الانحراف والصمت هو الشريك الأخطر في تكريس هذه الممارسات.
إن ما نحتاجه اليوم ليس فقط إدانة هذه السلوكيات بل إعادة ترسيخ مفهوم الدولة حيث يكون القانون فوق الجميع وحيث تحترم حدود الصلاحيات ويحاسب كل من يتجاوزها مهما كان موقعه. فالديمقراطية ليست شعارا يرفع بل ممارسة يومية تبدأ من احترام أبسط موظف في الدولة وتنتهي عند أعلى سلطة فيها.
وأمام هذه الوقائع يبقى السؤال مفتوحا : هل نحن فعلا نعيش تجربة ديمقراطية ناضجة أم إننا ما زلنا ندور في فلك السلطة المتغولة التي تغير أشكالها لكنها لا تغير جوهرها؟

أضف تعليق