باسم فرات ، محطات بين الوطن والغربة

باسم فرات

قبل ثلاث وثلاثين سنة، (23 نيسان 1993 – 23 نيسان 2026) “عبرت الحدودَ مصادفة” نحو الأردن، خرجت بجيوب شبه فارغة، أو لنقل بمال قليل جدًّا، ومجازفة وطيش شباب أكبر، وأحلام هائلة، كانت مغامرة من أجل الشعر والكتابة والحرية، كنت مهووسًا بحياةٍ لا تشبه حياة الآخرين، حياة تشبهني فقط.
هربت من جحيم الطغاة، ومن دفء العائلة، إلى غربةٍ يخلو معجمها من الأوهام. كنتُ غضًّا، فشعرت في خطوتي الأولى، بتعبٍ، قلت لأستريح وربما أمضي سنوات قليلة، ثم أعود بلا خوف، طمعًا بقُبلةِ أمي التي تعرفتُ عليها حين أكملت ال (15) من عمري، وأجعل حضنها دافئًا بي.
لكنها لعنة الشعر والكتابة ونداءات الأمكنة القصية حاصرتني، لأروي حكاياتها، وأحقق حلمًا كان يهجسني منذ الطفولة، هل حققت شيئًا؟، أزعم أنني سعيت، وغامرت، وجرّبت، كان هذا الترحال مغلول اليدين معي أحيانًا، وفي أحايين يبسطها كل البسط، تعرضت للاستغلال في العمل، لا سيّما في “بلد التوطين”، لكنني تعلمتُ لغة وغرزتُ رمحي في البلاد، وثملتُ بتجارب مختلفة، عشتُ المتناقضات كلها، وصرتُ توّاقًا للتغيير، فتوزعت سنواتي الثلاث والثلاثون بين دول عديدة، فالأردن أخذ أربع سنوات، ثم انتقلت للإقامة في زي الجديدة “نيوزيلندة” وأمضيت ثماني سنوات وعشرة أسابيع، لأنتقل إلى “هيروشيما” وبعد (3) أعوام فيها انتقلت للإقامة في جنوب شرق آسيا في “لاوس” وعلى امتداد ثلاثة أعوام قضيتها تجوالًا ومعايشة للإثنيات التي تُعد بالـمئات في تلك الأنحاء، فقد تنقلت قارئًا لثقافات (7) بلدان فضلًا عن جنوب الصين.
ثم كانت مرحلة أمريكا الجنوبية فقد أقمت ثلاثة أعوام أيضًا في الإكوادور وتنقلت بين البيرو وكولومبيا، لأنتقل في الخامس من آب 2014 إلى الخرطوم، فقضيت أعوامًا جميلة. لكن جائحة كورونا أجبرتني على العودة إلى “زي الجديدة”.
صدر لي أكثر (30)كتابًا، زرتُ أكثر من (40)بلدًا، تجولت في مئات المدن، وغامرت في الوصول والمبيت في أعالي جبال الأنديز وفي غابات الأمازون وجربت رعب التيه فيها، والمناطق النائية في جنوب شرق آسيا وإفريقية، وتتبعت نهر النيل من دول المنبع رواندا وأوغندا وإثيوبيا، حتى ملتقى النيلين الأبيض والأزرق ومصب النيل في فرعَي دمياط “رأس البر” ورشيد، تعرضت للتسمم مرات كثيرة، وكدتُ أفقد حياتي أكثر من مرة، أيقنتُ أن الإنسان مهما تعرض للخطر فإنه ينجو حتى يكمل مسيرته في هذه الحياة.
33سنة، وأنا على ضفة النهر، أقول: سأعبر النهر يومًا، وأرسم غابة أضعها في حقيبة الظهر، وكلما أوحشني الطريق، أفرش الغابة وأملأ جوفي بالأحلام والأمنيات. أظنني حققت بعض ما أحلم به، وكلي أمل أن أحقق المزيد.

أضف تعليق