
كتلة “تصميم” بين نجاح البصرة ومسؤولية التوسع نحو الجنوب
عامر جاسم العيداني
برزت كتلة تصميم خلال السنوات الأخيرة كقوة سياسية وإدارية استطاعت أن تفرض حضورها في البصرة عبر مشاريع إعمار وخدمات وتنشيط نسبي للحركة الاقتصادية، الأمر الذي جعلها محط أنظار الكثير من أبناء المحافظات الجنوبية الذين يعانون من تراجع الخدمات وارتفاع نسب البطالة وضعف الاستثمار ومن هنا تبرز فكرة مهمة تستحق النقاش ( هل آن الأوان لكتلة “تصميم”) أن تتوسع سياسيا وإداريا نحو بقية المحافظات الجنوبية وتشارك بقوة أكبر في الانتخابات المحلية والنيابية لتقود مشروع إعمار متكامل للجنوب العراقي؟
إن واقع المحافظات الجنوبية اليوم يكشف عن معادلة خطيرة فهناك محافظات تمتلك ثروات بشرية وطبيعية كبيرة لكنها تعاني من ضعف التنمية وغياب المشاريع الاستراتيجية مما يدفع الآلاف من الشباب والعائلات إلى الهجرة نحو البصرة بحثا عن العمل والاستقرار والخدمات، هذه الهجرة المستمرة وضعت ضغطا هائلا على البصرة في البنى التحتية والسكن والكهرباء والماء والوظائف وحتى على الواقع الأمني والاجتماعي.
ان البصرة لا تستطيع وحدها أن تتحمل أعباء الجنوب كله مهما بلغت إمكانياتها أو نجاح إدارتها المحلية لذلك فإن معالجة الأزمة لا تكون فقط بتطوير البصرة بل بنقل تجربة الإعمار والتنمية إلى محافظات مثل ذي قار وميسان والمثنى والديوانية وغيرها عبر مشروع سياسي وتنموي يمتلك رؤية اقتصادية حقيقية وليس مجرد شعارات انتخابية.
إن توسع “تصميم” نحو هذه المحافظات قد يحقق عدة أهداف استراتيجية في وقت واحد، أولها خلق توازن تنموي داخل الجنوب بحيث تصبح كل محافظة قادرة على توفير فرص العمل والخدمات لسكانها مما يؤدي الى التخفيف من النزوح الداخلي نحو البصرة. وثانيها تعزيز الاستثمار المحلي والأجنبي عبر وجود إدارة تمتلك تجربة ناجحة نسبيا في التعامل مع المشاريع والبنى التحتية. وثالثها إعادة الثقة لدى المواطن الجنوبي بأن هناك قوى سياسية يمكن أن تقدم نموذجا مختلفا عن الصراعات التقليدية والخطابات الطائفية.
الجنوب العراقي اليوم لا يحتاج فقط إلى سياسيين بل إلى “إدارة مشروع دولة” تبدأ من الاقتصاد والخدمات وفرص العمل فالشاب في الناصرية أو العمارة أو السماوة لا يبحث عن خطابات إعلامية بل عن وظيفة ومصنع وطريق ومستشفى وجامعة حديثة وفرصة حياة كريمة تمنعه من التفكير بالهجرة أو الغضب أو الانجرار نحو الأزمات الاجتماعية.
كما أن نجاح أي تجربة إعمار في الجنوب سينعكس إيجابيا على الاستقرار الوطني كله لأن المحافظات الجنوبية تمثل العمق الاقتصادي للعراق وهي مصدر النفط والثروات والموانئ والمشاريع الاستراتيجية وإذا بقيت هذه المناطق تعاني من الفقر والبطالة رغم ثرواتها فإن ذلك سيؤدي مستقبلا إلى احتقان شعبي وسياسي مستمر.
لكن التوسع السياسي ليس سهلا فهو يحتاج إلى رؤية واضحة وكوادر مهنية وخطط حقيقية بعيدا عن الوعود المؤقتة. كما أن نجاح “تصميم” في البصرة لا يعني بالضرورة نجاحا تلقائيا في بقية المحافظات لأن لكل محافظة خصوصيتها الاجتماعية والعشائرية والاقتصادية. لذلك فإن أي توسع يجب أن يقوم على الشراكة مع النخب المحلية والكفاءات وأصحاب الخبرة وليس على الاستنساخ الحرفي للتجربة.
وفي الوقت نفسه فإن دخول “تصميم” بقوة إلى الانتخابات المقبلة في المحافظات الجنوبية قد يخلق حالة تنافس إيجابي بين القوى السياسية تدفع الجميع إلى التركيز على ملف الإعمار والتنمية بدلا من الصراعات التقليدية التي أرهقت المواطن العراقي لسنوات طويلة.
إن الفكرة الأهم هنا هي أن إعمار الجنوب لم يعد خيارا سياسيا بل ضرورة وطنية لحماية البصرة أولا وحماية الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للعراق ثانيا. فكل مشروع تنموي في العمارة أو الناصرية أو السماوة هو في الحقيقة مساهمة مباشرة في تخفيف الضغط عن البصرة وتقليل البطالة والحد من الهجرة الداخلية وخلق بيئة أكثر استقرارا وعدالة.
وربما يكون التحدي الحقيقي أمام كتلة “تصميم ” اليوم هو الانتقال من تجربة محلية ناجحة إلى مشروع تنموي جنوبي شامل يستطيع أن يحول المحافظات الجنوبية من مناطق طاردة للسكان والاستثمار إلى مناطق جاذبة للحياة والعمل والإنتاج.
ومن هنا ندعو قادة كتلة “تصميم” ان يدرسوا هذا المقترح بعناية والنظر الى البعد الوطني الواسع بدل الانغلاق في مساحة ضيقة قد تؤدي الى أفول الكتلة وتخسر جمهورها نتيجة الضغوطات السياسية التي تمارسها القوى الفاعلة ضدها لانهائها او تحجيمها.
أضف تعليق