التنويرية الحديثة في (حكمة الإشراق) عند السهروردي المقتول

التنويرية الحديثة في (حكمة الإشراق) عند السهروردي المقتول

(2)

في كتابه “التّلويحات” يعالج السهروردي المقتول القياسَ في صُوَرٍ مختلفة كالمُسْتخْدَم في الجدل ، والخطابة .. وفي الشِعر فيَصِفُ القياس الشِعري بغيرِ القياس البرهاني لِما يحتويه من مقدِّماتٍ غير علميّة . فيقدِّم في مقالته الثالثة تفنيداً للمغالطات التي يقع فيها منطق ابن سينا (المَشّائي) بِقِسميْهِ الصُوري والمادِّي كما جاء في “نموذج نقد أفلاطون الجدليّ للأورغانون Organon” أي أداة البحث . بينما يتناول في الفصل الثّالث منها مجموعةً من الحكومات (القواعد) الإشراقيّة في مواجهة عدد من المسائل المشّائيّة التي تدور حول الطبيعيّات والإلـٰهيّات ، كما يقوم في هذا الفصل بصَكِّ مجموعة من المصطلحات الفنِّيّة (الجوهر والهيئة ، والوجوب والإمكان ، والعِلل والمعلولات وما يُلزِم فيها التّناهِي ، وما يمكن وما يستحيل) كما يتناول مايسميه الاعتبارات العقليّة لـ(الوجود ، والواجب ، وغيرهما) ويعِيد النّظر في النظريّة التّقليديّة التي تُقسِّم المقولات إلىٰ عَشرٍ متبنِّياً وجهة نظر غير مشّائية يختصرها في خمس مقولاتٍ (الجوهر ، والكمّ ، والكيف ، والنِّسبة) إضافة إلىٰ مقولة الحركة ، مع ملاحظة أنه يرىٰ عَرضيّة المقولات الأربع الأخيرة ، لتُنزل مقولاته الخمس مقاماً من الكمال والإحكام تُتيح التّأسيس عليها في حضور القوّة التنويريّة كواحدةٍ من خصائص الجواهر والأعراض .

يكرِّس السهروردي في الضّابط السّابع من المقالة الأولىٰ مفهومه عن التّعريف بالحَدِّ وشرائطِه ، ويعمل علىٰ صياغتِه بأصولٍ إشراقيّة(تنويرية) جديدة (حكمة الإشراق ـ الفِقر 13-15)، إذ يبتدئ نقدَه برفضِ مفهوم المشّائيّة للتعريف لصالح المقاربة الاستقرائيّة التي يمكن للبرهان والمعرفة العلميّة التأسّيس عليهما ، ويستخدم حججًا دلاليّةً ومنطقيّة لمناقشةِ مصطلحات الأرسطوطاليسيِين في الدلالة علىٰ ماهيّة الشيء (الحقيقة) الذي تعتمد عليه نظريّة ابن سينا في التّعريف .

وكذلك يرفض السهروردي الادّعاء القائل بإمكانيّة الإتيان بتعريفات كاملة تمتلك القدرة علىٰ استيعاب جميع العناصر الجوهريّة المطلوبة من أجل الوصول إلىٰ معرفة كانت مجهولةً في السّابق وتحتاج إلى تعريفها ، فيكتب :

“فتبيّن أنّ الإتيان علىٰ الحدِّ كما التزم به المشّاؤون غير ممكن للإنسان ، وصاحبهم أرسطوطاليس أو ابن سينا اعترفا بصعوبة ذلك . فإذن ، ليس هناك سوىٰ تعريفات بأمور تخصّ بالاجتماع” .

وبذلك يصرّ السهروردي علىٰ أنّ التعريف ينبغي أن يكون بترتيب أمورٍ عِدَّة لا أمرٍ واحدٍ في قولٍ جامعٍ يحتوي علىٰ ذاتيّاتِ الموضوع المُعرَّف كلِّها إما ببسْطِ عناصر عديدة وإدخالها في التّعريف عن طريق تعديد الفصول وإيرادها ، أو عن طريق التّعريف بالاجتماع في تعديد ما يتعلّق بالمعرَّف سواء كان خاصّةً أو عَرضاً عاماً :

“يجب أن تكون ماهيّة الإنسانِ ، أي حقيقته المُضْمَرة في لفْظتِه الدّالّة عليه شيئاً يمكن استرداده في المعرّفِ استرداداً يترْجِم عن متعلِّقاتِ الملْفوظِ كما هي في قاع الموضوع المُعرَّف أو ذاته” . ولهذا

يسمِّي (ستريت) هذا التّيّار بـ”نقيض الماهويّة” وهو الّذي يرىٰ عجزاً كامناً في إدراك جواهر الأشياء والاستدلال عليها ، ويفسّر ذلك عدم احتلال المُثُل الأفلاطونيّة مكاناً في النِظام المنطقيّ عند السهروردي ، وفي “المشارع والمطارحات” يشرح مفهومه عن التّعريف بإسهابٍ أكبر . (السهروردي ـ 83 ـ 90 – 100)

وممّا لا شكّ فيه أنّ السهروردي يستوحي نقده الإبستمولوجيّ المُوَجَّه لنظريّة التّعريف المشّائيّة من مساءلات “أبي البركات البغدادي” الذي عمل علىٰ تطويره في كتابِ “المُعْتبَر” ( المجلّد الأول 7- 55) ، وأنّه قد استفاده كذلك من فهمِه الإبستمولجيّ الخاصّ للدّور الحضوريّ الّذي تلعبه الذات في التّحقّقِ بالمعارف .

يقدّم السهروردي المقتول في”حكمة الإشراق” نظريّته الإشراقيّة في (التّعريف) بإشاراتٍ تُعدّ نوعاً من التّحوّل الأفلاطونيّ أو الأفلاطونيّ الحديث . وبذلك لا يوجد من سبيل إلىٰ التّحقّق بالمعرفة الحقّة إلا عن طريق الكشف والعيان ، إذ تكمن الاعتبارات الإبستمولجية عند السهروردي في القلب من إعادةِ بنائِه لنظريّةٍ خاصةٍ في (التّعريف) ، لأنه يبني نظريّته (التّعريف) علىٰ أصول معرفيّة تتوسّل الأفلاطونيّة الحديثة.

إنّ العلم بحقيقةِ الأشياء يتحقّق فقط عن طريق الإدراك المباشر للطبيعة الإشراقية (التنويريّة) “الشّيء في حقيقة نفسِه” المُسْتقِرّة في الموجودات جميعها ، ويحدث العِلم الحضوريّ عن طريق كشفٍ إشراقيّ عندما يدرك الإنسان أنّ ما هو بصددِ تعريفه قد صار متحقّقاً لديه عن طريق وعيه الذّاتيّ الخاصّ عندما تفطن الرّوح في الوقتِ ذاته إلىٰ حقيقةِ الشّيء المراد معرفته ، وتَعِيهِ وعياً مباشِراً . لأنّ الأرواح تصير حينئذٍ قادرةً علىٰ إدراك الماهيّات (الجواهر) التي يمكن لأجزائها أن تترْجَم إلىٰ براهين ومسَلَّماتٍ عقلانيّة في تطوير المعرفة الاستدلاليّة عن طريق الإدراك الأصيل للحقيقة .

يرى السهروردي في “المشارع والمطارحات” أنّ تعريف الشّيء لا يمكن أن يكون إلا عن طريق رؤيتِه على ما هو عليه حقاً .

يفتتح السهروردي القسم الثاني من حكمة الإشراق” بهذا المبدأ: “إنْ كان في الوجود ما لا يحْتاج تعريفه وشرحه فهو الظاهر ، ولا شيء أظهر من النّور ، فلا شيء أغنى منه عن التّعريف» (حكمة الإشراق الفقرة 107) . لأنّ النّور ظاهرٌ في نفسه لنفسه وليس بحاجة إلىٰ تعريف ، لأنّه في حقيقةِ نفسِه الدليل علىٰ نفسِه .

إنّ السهروردي يطرح النّور هنا مفهومًا إبستمولوجيًّا أنطولوجيًّا في المركز من فلسفته، ويدافع عن تجربة الحدس المباشر الّتي تقود إلى العلم الحقيقيّ بالأشياء، ويرى أنّ طلب التعريفات لا يكون إلّا للوصف والشّرح عن طريق الاستدلالات والمسلّمات العقليّة ، إذْ يرىٰ قطب الدّين الشّيرازيّ نظرية المعرفة في الفلسفة الإشراقيّة مبنيةً علىٰ ذلك النّوع من العلم الحدسيّ الذّاتيّ الّذي لا يحْتاج معه إلىٰ أيّ نوع من أنواع التّعريف .

وبالرغم من أنّ أعمالاً كـ”التلويحات” و “المشارع والمطارحات” و “اللمحات” لم تأخذ نصيبها من الدِّراسات والتحقيقات ، إلا أنّها تتناول الطبيعيات في أقسامٍ كثيرة منها . وقد حققت الطبيعيات عند السهروردي في “اللمحات” ، وكذلك “التلويحات” . ويُعيد السهروردي النّظر في بعضِ المبادئ العامّة لعِلم الطبيعيّات ، وذلك في مقالته الثّالثة من “حكمة الإشراق” وكذلك في “المشارع و المطارحات” رغم من عدم ظهور ذلك في كِتابيْهِ : “اللمحات” و “التلويحات” . وكما كان ابن سينا في نظريته “المشائية” فإن السهروردي يرفض القول بالجزْءِ الّذي لا يتجزّأ أيضاً .

(حكمة الإشراق ، الفقرة 89)

كما يرسِي قاعدةً في إبطالِ الخلاء (حكمة الإشراق ، الفِقر 89-90) وينتقد أيضاً مادّصوريّةَ (هيلومورفيّة) المشّائيّة الأرسطوطاليسية ، ويُبْطِل القول بثنائيّة المادّة والصّورة المُكوِّنة للأجسام رافضاً مفهوم الهيولي (المادّة البسيطة) ، ويعرض مجموعةً من الحججِ في إبطال هذا المذهب

(حكمة الإشراق الفِقر 72-88)

إذ تعتمد هذه الحجج علىٰ نظريّته التي تقول :

“إن الجسم ليس إلا نفس المقدار القائم بنفسه ، مضافةً إليه أعراضه” .

(والبريدج 266-7) أي أنّه “القابل للامتدادات والخصائص” .

لقد احتاج السهروردي إلىٰ أن :

“تكون الأعراض قادرةً علىٰ إحداثِ المسبّباتِ ، فالقول بعِلِّية الأعراض تجعل تفسير وجودِ المثل الأفلاطونيّة أمرًا ممكنًا مرورًا إلىٰ التّكثّر الموجود في الفلك العلويّ وما دون فلك القمر نهايةً” .

إضافةً إلىٰ رأيه في أنّه :

“لا يمكن إدراك الموجودات لا عن طريق حواسّ الجسد ، ولا عن طريقِ الحدس الذي لا معنى له لأن “الصّور لا يمكن معرفتها حقًّا وإن كان لها وجود ، فإنه لا يخرج عن كونه اعتباراً عقليّاً ليس إلّا” .

وتُعبِّد عمليّة إعادة بناء الطّبيعيّات مع انتقاداتِه الهامّةِ الطريق أمامه ليؤسّس الميتافيزيقا الخاصة به ، فتصير الأجسام في نظامه الفلسفيّ “برازِخ” أو “أشياء تفتقر في وجودها إلى مخصِّصاتِ النّور” اشتدّ فيها أو ضعف (والبريدج 240-242).

ولا تتماشى نظريّة المادّة ـ صوريّة (الهيلومورفيّة) مع القول بإمكان معرفة الجواهر الحقيقيّة “الجوهر المضيء” ذو الوجود الحقّ للكائنات جميعها والمتعلِّق بالأنوار المدبِّرة في نفسِها لنفسِها لأنه لا يمكن معرفتها من خلال أيِّ نظام مفْترَض ، ولأنّ التّمييز بين الأجسام المختلفة : “يعتمد على جوانب متعدّدة من الحركة، والتّفاوت الداخليّ من جهةِ شدّةِ الأنوار وضعفها” ليصبح هذا التفاوت المقداريّ المعيار في التّمييز الأنطولوجيّ لديه .

ويؤسِّس السهروردي في فلسفته عن الأنوار أركاناً جديدةً للطبيعيّات ، لأن الموجودات غير المادّيّة تتألف والأجسام المادّيّة – في نظامه الفلسفيّ – من طبيعةِ تَفاوِت النّور في درجتِه وشِدّتِه ، كما يتألّف العالم الجِسْميّ من الجوهرِ الغاسق والهيئة الظّلمائيّة ، ليتّخذ القائم بذاته مكانه كبديل عن الهيولي (المادّة البسيطة) الذي لا يصبح له أيّ معنىً خارج العقل حتىٰ يكون مفهوماً عقلياً خالصاً كغيرِه من المفاهيم الماديّة التقليديّة . ولم يعد يحتلّ إدراك صورِ الأشياء مكاناً معرفياً ، لأنّ مدار الأمر كلّه يصبح متعلِّقاً بإدراكِ الأنوار المستقرّة في الأشياء وذلك هو الهدف الحقيقيّ وراء عمليّة البحث المعرفيّة عند السهروردي .

(والبريدج 3-22).

وفي إطار التّأصيل لعلم النّفس الإشراقيّ ، يقوم السهروردي بإعادة النّظر في علم النّفس الّذي جاء به ابن سينا فينفي المادِّية عن النّفس ، ويصفها بالحياة والعِلْم ، وبالقيام بالذّات وقدرتها للهيْمنة علىٰ الجسد ، ويرىٰ في ذات الوقت أن الاستدلالاتِ التي قدّمتْها “المشّائيّة” على خلودها غير كافية بالمرّة .

(حكمة الإشراق، الفِقرة 91 – 93).

كما يحدِّد السهرورديّ جوهر النّفسِ الخاصّ عن طريق قياسِ تفاوتِ نوريّةِ آحادها شِدّةً وضَعفاً ، وبذلك يمكن لعلاقةِ القهر والمحبّة أو العشق أنْ تظهر بين الجوهر النورانيّ للنّفسِ، وبين الجوهر الظّلمانيّ للجسم

(حكمة الإشراق الفِقرة 147- 148) حيث تلعب الرّوح – وهي جوهر لطيف – دور الوصلِ ، فتصير وسيطاً بينهما ويفتح الباب أمام عمليّة تلقِّي صُوَرِ وأشكالِ الحقائق الميتافيزيقية منْعكِسةً علىٖ مرآة النّفس المتكشِّفة فيها .

(حكمة الإشراق، الفِقرة 216-217).

بينما يستقرّ الإبصار – أهمّ الحواسِّ المدْرِكة – في القلبِ من نظريّةِ الرّؤية الإشراقيّة لدىٰ السهرروديّ ، والّتي عن طريقها يُمنح الإدراك معنىً جديداً يقول بنمطٍ يمكن معه صياغة نظريّته في العلم الحضوريّ . لذلك يقوم السهروردي بنقْدِ ونقضِ التّداعيات المادّيّة للقول بانطباع الصّور في القوام المادّيّ للعين ، كما يرفض نظريّة “الانبعاث” ، ونظريّة “الإدراك البصريّ” وإنْ شاعا .

وعلىٰ الرّغم من حدوث عمليّة الإبصار عن طريق عضو مادِّيّ إلا أنّه في الأساس عملية تقع ضِمن نشاط النّفسِ “النّور” الإنسانيّة ، وتتحقّق بالغاية المعرفيّة الحقّة من وراء الإبصار .

(حكمة الإشراق، الفِقرة101-104) . يضع السهروردي في كتابه “حكمة الإشراق” شروطاً لإبصار المرْئيّاتِ المادِّيّة :

  • مقابلة حضوريّة – حاصِلة وجهاً لوجْهٍ – بين كلٍّ من المبْصَر ، والعين الباصِرة ، وبين طالب الرؤية (المسْتنِير) .
  • غياب ما يمنع الرؤية بين الباصِرةِ والمُبْصَر ، وهو ما يصفه عادةً بمصطلح صوفيّ “عدم الحجاب” وفي عدمه تستنير النّفس عن طريق “النور الجوهريّ ، أو النّور العارض” للمُبْصَر .
  • حضور النّور ، وهو شرط ضروريّ لإقامة هذه الصِّلة الإشراقيّة .

وعلىٰ هذا يتجلّىٖ الإبصار تدريجياً بمسْتوييْنِ مخْتلِفيْنِ ، ويتمّ تقليل الإدارك المادِّيّ لصالح إدراك النّفس ، أو الوعي بالنّور الحقيقيّ والجوهريّ المستقر في الشيء المنْظور والّذي يشاركه الحقيقة النّورانيّة نفسها . لذلك ، فإن الإبصار الحقيقيّ لايتطلب القيام بعملية اكتساب أو نَقْلٍ للصّور ، لأنها تَحدُث من خلال قدرةِ النّفسِ علىٰ أن تكون واعيةً بحقيقة النّور الجوهريّة القابعة في المُبْصَرات .

وتتداخل “الطبيعيّات والإلـٰهيّات” لتمتلك المُبْصَرات قدرةً علىٰ استقبالِ النّور وإرسالِه ، وبذلك يصبح النّور أو بالتّحديد ما أسماه “الرّوح المُدبِّرة” أو “النّور الإِسْفهْبد(القائد)” ذاتاً مدْرِكةً ، سواء كان الإدراك عن طريق الحواسّ ، أو النّفس/ العقل ، أو الحدس ، أو الخيال (حكمة الإشراق الفِقرة 145-146).

ويوجد نوع من المعرفة البديهيّة/ الفطريّة التي تقبع بدورها باطن كلّ إبصار (حكمة الإشراق الفقرة 226)، واعتماداً عليها يمكن بالتّالي للمعرفة الاستدلاليّة أنْ تتحقّق عقلياً بانطلاقها من مسلّماتِ العقل .

لا يرىٰ السهروردي القوىٰ الباطنة مستقرّةً في أجزاءٍ مختلفة من الدماغ ، فالقول بأنْ يكون عضوٌ مادِّيٌّ ما مستودعاً لها يؤدِّي إلىٰ إكساب التّمثيل العقليّ صبغةً مادِّيةً يرفضها . لأن القوىٰ الباطنة تصبح ظِلال ما في النّفس ، أو مجرّد وظائف لها يمكن حصرها معاً في قوّةٍ واحدةٍ تكون مسؤولةً عن التّمثيليّة العقليّة . يأتي “النّور الإِسْفهْبد(القائد)” قادراً علىٰ الوصول إلىٰ “الأنوارِ القاهِرة” فيتجلّىٰ قاعدةً إشراقيّةً في طيّاتِهِ المُتخيِّلة المحكومة به ، وتنعكس فيه الأنوار التي يستقبلها ويتحقّق بها ، مايعني أنّ قوّة التّمثيل العقليّ قادرة علىٰ إدراكِ الجزئيّات ، بينما يضمن “النّور المدبِّر ، والقاعدة الإِسْفهْبديّة(القيادية)” وحْدة النّفس والقدرة علىٰ إدراكِ الكلِّيّاتِ والموجودات غير الماديّة .

إنّ التّأكيد على وحْدةِ النّفس كموجودٍ أساسٍ في عمليّةِ الإدراك ، إضافةً إلىٰ حصر القوىٰ التّقليديّة المسؤولة عن التّمثيل العقليّ في قوّةٍ واحدة . أمّا “التّذكّر” فقد عرض السهروردي تعريفه بطريقةٍ أفلاطونية إلى حدٍّ ما ، وقال عنه بأنه نوع من استرداد الصّور أو الأفكار ، المحفوظة في “عالم الذِّكْر” والّتي لا تتِمّ استعادتها إلا عن طريق الجزء الإشراقيّ من النّفس ، وليس علىٰ طريقة النظرية الأفلاطونية القائلة بأنّ العلم نوع من تذكّر النّفسِ لِما كان قابعاً فيها من معارف قبل التباسها بالجسد زمانياً . وبذلك يصبح الإشراق عند السهروردي مجالاً استعارياً للعمليّة العقليّة كلِّها ، إذ تأخذ العلاقات الإشراقيّة مكانها بين المبادئ الميتافيزيقيّة للنورِ المتّقِد ، وبين النفس الإنسانية ويكون الجزء العاقل من نور النّفسِ موجوداً إلىٰ غير ما لا نهاية . ويشير السهرورودي إلىٰ إمكانيّةِ القوّة المُتَخيِّلة للنّفسِ والّتي لم تحقِّق كمالها الخاصّ بعد أنْ “تتخلّص إلىٰ عالم المثلِ المعلّقةِ الّتي مظهرها بعض البرازخ العلويّة” لتلعب دَورَ جسمٍ فلكيٍّ يملك قوّةَ إحضارِ الصّور إلىٰ الوجود (حكمة الإشراق الفِقرة 244 ـ 246) .

                            ـ يتبع ـ

المراجع :

=======

  • موسوعة ستانفورد للفلسفة
  • كتاب حكمة الاشراق ـ لـ.قطب الدين الشيرازي
  • أصول الفلسفة الإشراقية ـ د.محمد علي أبو ريان .
  • مجلة الدراسات الفلسفية
  • كتاب الله والمنطق في الإسلام لـ.جون والدبريج

أضف تعليق