مهمة تصحيح التاريخ وتنقيته ..
د.علي أحمد جديد
يقول (آرثر سالزبورغ) مؤسِّس صحيفة ” نيويورك تايمز ” الأمريكية :
” إنَّ رأيَ الإنسان – أي إنسان – في أيّة قضيةٍ كانت ، لايمكن أن يكون جيداً إلا بفضل المعلومات التي نقدِّمُها له حول هذه القضية . فإذا أعطيناه معلوماتٍ صادقةً وصحيحة ، ثم تركناه يكوِّن رأيَه فيها فإنه سيَظلُّ عرضةً للخطأ في رأيه بعضَ الأحيان حول هذه القضية ، وربما لبعضِ الوقت .
لكن فرصةَ تصحيح رأيه تبقىٰ متاحةً له وبين يديه وإلىٰ الأبد .
أمّا إذا حجبنا عنه المعلومات الصادقة والصحيحة ، أو تَعمَّدنا أن نقدِّمها له مُشوَّهةً أو ناقصةً .. أو مُغلَّفةً بالدعاية وبالتحريف والتزييف ، فإننا نكونُ قد عمِلنا علىٰ تدمير بُنيةِ تفكيره السليمة . بل ونكونُ قد نزلنا به إلىٰ مادونِ المستوىٰ الإنساني ” .
* * *
إن تزوير التاريخ وتحريفه ليس بجديدٍ علىٰ كل مؤرِّخي الأنظمة السياسية ، لأنه بالنسبة للمؤرِّخين وللأنظمة علىٰ حدٍّ سواء وسيلةٌ لتحقيق المصالح الشخصية حتىٰ ولو كان علىٰ حساب مصالح الشعوب الوطنية والقومية والعقائدية .
ولا يقتصر الأمر عندهم علىٰ تزوير وقائع التاريخ وأحداثه فحسب ، بل يتفننون بصنع تاريخ موازٍ ومحرَّفٍ من خلال تقديم قراءاتٍ وهمية لحقيقة الأحداث التاريخية .
واليوم ، ندرك تماماً أن التاريخ العربي والإسلامي بات بحاجةٍ إلىٰ التصحيح الحقيقي ، من خلال ومضةِ لحظةِ تمرّدٍ إنسانية بعيدة عن الكراسي والعروش ، لأن القِيَم الإنسانية الكبرىٰ مثل “الحقيقة والحرية والعدالة” لا تشيخ مهما تغوّلوا بانتهاكها وبالتعتيم عليها ، ومهما تغيّرت أدوات تلك الانتهاكات . وإن جرأة العمل علىٰ تصحيح التاريخ هي “الخندق الأخير” في المواجهة للدفاع عن الهوية والانتماء ، وهو دفاع مشروع عن القيم الإنسانية والحق الحضاري ، وعن تعزيز الصمود في وجه جرّافة التحريف والتزوير التي دامت منذ أكثر من أربعة عشر قرناً من السنوات ومازالت حتىٰ اليوم ، ذلك التحريف المتعمَّد والممنهج الذي نال حتىٰ من أقدس المقدسات التاريخية والحضارية التي منها تاريخنا الحضاري في “سورية الطبيعية” وحتىٰ الوصول إلىٰ الأحاديث النبوية الشريفة . وإن الانحطاط الذي تعرّضنا ونتعرض له ، لم يكن ناتجاً عن قصورٍ ذاتي في أشخاص المؤرخين بوصفهم أفراداً تنقصهم المعرفة أو الموهبة ، ولكنه نِتاجٌ موضعي لواقع أنظمة يتم فرضها سياسياً واجتماعياً وثقافياً ، والذي مازالت تحمي تشويهاته مؤسسات وسلطات وتقوم عليه .
إن فرض حرمان المجتمع العربي والإسلامي ، تحديداً ، من التعبير عن الرأي أدىٰ إلىٰ العبث بوجدان الشعوب الحضاري ، وإلىٰ صدأ الحساسية الثقافية لدىٰ الشعوب وبالتالي الاستهانة بالحفاظ علىٰ تميز الهوية وطنياً و قومياً . وصار لا بد من طرح أسئلة بسيطة عن “العدالة والحرية والأخلاق الطائفية والمذهبية والاحتلال وحق المقاومة والقِيَم المهدورة وتعميق الفوارق المادية في المجتمع الواحد” ويجري تجاهلها وتجريمها ، بقرارات رسمية ، حتىٰ باتت هذه الأسئلة من المُحرَّمات التي تُعرِّض السائل لقائمة لاتنتهي من الاتهامات .
وإن الإيديولوجية الشخصية للمؤرخ والتي تُوجِّه كتابة التاريخ وبخاصة في الأنظمة التي تسعىٰ متعمدة إلىٰ تهميش أو تقزيم أو تغييب دور الآخرين ، والأحداث التي لا تتفق وأصحاب الإيديولوجيات المسيطرة أو السلطات المتسلطة ، وباتت مشكلة التفريق بين الصحيح في التاريخ وبين المُزوَّر حقيقةً شائكةً ومعقّدة حتىٰ اليوم ، إذ أن جزءاً كبيراً منها يتعلق بتغييب حقائق وأحداث ، وجزءاً آخرَ منها هو تهميش أحداث أخرىٰ ، وهو ما بات معروفاً اليوم بتسمية (التضليل) عن سابق عمد ليكون التمهيد الطبيعي في الوصول إلىٰ تزوير التاريخ . وإذا تم تقديم القضايا التاريخية بحقائق نسبية وليست قاطعةً في أغلبها ، فإن باب التأويل ولَيّ عنق بعض الحقائق ممكن لتحقيق مصالح سلطوية سياسية أو اقتصادية وثقافية . وحين تكون السلطة أو البطانة التي حولها هي التي تفرض الخبر و تكتب الوثائق ، فإنها ستكتب ماهو في مصلحتها بعيداً عن الحيادية أوالموضوعية ، مما يعني ذلك أن هناك حقائق في التاريخ قد تم إقصاؤها أو تشويهها وتحريفها . ونسمع بين الحين والآخر عن اكتشاف تزويرٍ أو تحريف أو افتراء قد حدث لواقعةٍ معينة ، وأن وثائق قد اكتشفت – صدفة – تفرض إعادة قراءة وتركيب وقائع تلك الواقعة التاريخية .
فإذا كانت هذه هي الصورة العامة التي يعانيها التاريخ أو يعانيها دارسو التاريخ والباحثون في خفاياه ، والمُنقِّبون في ركام أحداثه عن الحقائق لتصل إلىٰ الأجيال المتعاقبة كما حدثت ، دون إسقاطٍ أو تغييب ، وهذا يكاد يكون من المستحيلات ، لأن كتابة التاريخ الإسلامي بالتحديد تناول فيه المؤرخون مرحلته حسب الرؤية السلطوية ، إضافة إلىٰ تناول ماسبقها من التاريخين العربي والإسلامي ، في محاولة لإضفاء شيء من المصداقية علىٰ مايكتبون ، والإيحاء بأن ذلك التاريخ قد كُتِبَ بكل صدقية وأمانة .
في كتاب “العِبَر” ، يرىٰ المؤرخ (عبد الرحمن إبن خلدون) أن التاريخ ينتقل في عملية معقدة من مجتمع إلىٰ مجتمع ، ومن عصر إلىٰ عصر ، ومن مرحلة إلىٰ مرحلة في تسلسل ديناميكي تحترم فيه قواعد بناء رواية الخبر . والتاريخ محل إهتمام يطمح إليه الملوك والجمهور والعلماء والجهال وأصحاب الاختصاص وغير المختصين . لأن التاريخ ملكية جماعية وذاكرة إنسانية غير محجور عليها ، وإن كان الحجر قد تم عندما كُتِب التاريخ تقرباً وخدمة لأولي الأمر وأصحاب القرار أو حينما كان يُنظَر إليه باعتباره قصة أحداث ماضية رائعة وغريبة في مخيلات الناس ، كأيام الحروب ، وعهود الملوك ، قصص يتم تزيينها بالخطاب الوعظي والأمثال الشعبية لتسلية العامة والخاصة . من هذا المنطلق كان تصوير التاريخ كحكاية ذات قيمة قصصية للمتعة وذلك ماكان أكثر الأخطاء الشائعة لدىٰ المؤرخين الأوائل . ورأىٰ إبن خلدون أسباباً تدفع إلىٰ التحريف أو الخطأ عند المؤرخين لضعف حسهم النقدي وغياب قواعد التمحيص في الخبر الروائي ، ويمكن تلخيص هذه الأسباب كالآتي :
* – “ولما كان الكذب متطرقاً للخبر بطبيعته وله أسباب تقتضيه ، فمنها التشيعات للآراء والمذاهب ، فإن النفس إذا كانت علىٰ حال الاعتدال في قبول الخبر أعطته حقه من التمحيص والنظر حتىٰ تتبين صدقه من كذبه ، وإذا خامرها تشيع لرأي أو نِحلة قَبلت ما يوافقها من الأخبار لأول وهلة ، وكان ذلك الميل والتشيع غطاء علىٰ عين بصيرتها عند الانتقاد دون التمحيص فتقع في قبول الكذب ونقله” .
فالميل والتشيع للفِرق والمذاهب أُول الأسباب التي تبعد المؤرخ عن عملية التمحيص والنقد لوجود عامل سياسي ديني يعيق عملية الحياد في تدوين التاريخ وانتقاده ، والمؤرخ بحكم انتمائه السياسي أوالقبلي والمذهبي ترشحه وبشكل سيكولوجي إلىٰ كتابة التاريخ وتدوينه بشكل انتمائي وانتقائي خدمة للإتجاه والمذهب والقبيلة ، بعيداً عن تبني الإعتدال في التعامل مع الخبر والإبتعاد عن التطرف الفكري
* – “من الأسباب المقتضية للكذب في الأخبار أيضاً الثقة بالناقلين وتمحيص ذلك يرجع إلىٰ التعديل والتجريح” .
أي أن الناقل أو الراوي مصدر تاريخي مهم لكل مؤرخ ، وروايته شفوية أو مكتوبة هي نقل التاريخ من عصر إلىٰ عصر ، لذا فإن الأزمنة والمجال والمتغيرات السياسية والإجتماعية والإقتصادية تأثّرٌ في الخبر ، وتسلسل الناقلين يغير الحدث التاريخي باختلاف ناقليه ، لذا فإن الثقة في الناقلين تعتبر واحدة من أسباب التحريف والكذب والتأكد من صدق الرواية بطريقة اللجوء لمنهج علماء التفسير والحديث المعروف بالتعديل والتجريح . والتجريح عند المحدِّثين هو الطعن في راوي الحديث بما يخل بعدالته أو ضبطه ، والتعديل هو الحكم علىٰ الراوي وناقل الخبر بأنه نزيه عادل ضابط ، بهذه المنهجية المعروفة يتم قبول تدوين الحدث أو رفضه بحكم قاعدة القياس المنهجي ، أي نقد الخطاب التاريخي ، وقراءة الحدث في زمانه ومكانه وتشعب إشكالياته الإقتصادية والسياسية والإجماعية .
* – “الذهول عن المقاصد فكثير من الناقلين لا يعرف القصد بما عاين أو سمع وينقل الخبر علىٰ ما في ظنه وتخمينه فيقع في الكذب” .
ويعني أن الناقل قد يكون صادقاً في نقل الخبر ، ولكنه يكون مخطئاً في فهم أبعاده وجذوره وحيثياته ، أي أنه ينقل تصوره الشخصي للخبر ، ويجرده من مضمونه المجتمعي السياسي وخطابه ليدخله في دائرة الخبر الذاتي بغير وعي وهي حالة سيكولوجية بحتة لا يزاحمها في البناء والقاعدة الإنتماء الاجتماعي أو المذهبي .
* – “توهم الصدق وهو كثير وإنما يجيىء في الأكثر من جهة الثقة بالناقلين” .
وذلك أن المؤرخ ينقل الخبر ثقة بالناقلين وبمنهج الكثرة الناقلة والخبر المتوارث ، أي أن الثقة المبنية علىٰ هذا المنهج تدفع المؤرخ الىٰ المغالطة في تدوين الخبر .
* – “ومنها الجهل بتطبيق الأحوال علىٰ الوقائع لأجل ما يداخلها من التلبيس والتصنع فينقلها المخبر كما رآها وهي بالتصنع علىٰ غير حق في نفسه” .
أي أن المؤرخ قد يقع ضحية الوقائع المصطنعة فينخدع وينقلها بعيداً عن منهج نقدي يتسلح به لمواجهة مُحرِّفي التاريخ وخبراء التضليل ، لأن علم التاريخ محل اهتمام الجميع لما له من قيمة سياسية واجتماعية في ثقافة الجمهور والحفاظ علىٰ الهوية الوطنية والقومية والعقائدية .
* – “تقرب الناس في الأكثر لأصحاب التجلة والمراتب بالثناء والمدح وتحسين الأحوال وإشاعة الذكر بذلك فيستفيض الإخبار بها على غير حقيقة، فالنفوس مولعة بحب الثناء ، والناس متطلعون الى الدنيا وأسبابها من جاه أو ثروة وليسوا في الأكثر براغبين في الفضائل ولا متنافسين في أهلها” .
وذلك أحد أهم الأسباب التي تدفع إلىٰ تزييف التاريخ وتحريفه ، وهو الخدمة والتقرب لأصحاب السلطة والقرار السياسي ، ويمكن أن تكون هذه الخدمة بالمدح وتلميع صورة أولي الأمر بين الناس وتقديسها لتحقيق مصالح ذاتية أو سياسية لجماعة طامعة ، ما يؤدي إلىٰ تحريف الخبر وإشاعة التضليل عن حقيقة أصحاب السلطة . وقد يكون عن طريق إحياء وتجديد الخطاب الديني بالعودة إلىٰ التاريخ والتنقيب فيه وإشاعة فكر مذهب محدد أو طائفة عن طريق تلميع تاريخها وإظهار أهميتها خدمةً لمؤسسة سلطوية تواجه مشاكل مع مؤسساتها التقليدية علىٰ مستوى خطابها السياسي والديني .
* – “ومن الأسباب المقتضية له أيضا وهي سابقة على جميع ما تقدم الجهل بطبائع الأحوال في العمران ، فان كل حادث من الحوادث ذاتيا كان أو فعلاً ، لابد له من طبيعة تخصه في ذاته وفيما يعرض له من أحواله ، فاذا كان السامع عارفاً بطبائع الحوادث والأحوال في الوجود ومقتضياتها أعانه ذلك في تمحيص الخبر علىٰ تمييز الصدق من الكذب ، وهذا أبلغ في التمحيص من كل وجه يعرض” .
لأن الجهل بطبيعة الظواهر السياسية أوالإقتصادية والإجتماعية ، أوتحييدها وعدم البحث في كيفية حدوثها تؤدي إلىٰ الخطأ في الخبر، لذا فإن لكل ظاهرة في الوجود طبيعية كانت أو إجتماعية قوانين وقواعد تتحكم فيها ، وواجب المؤرخ أن يكون مُلماً بهذه القوانين حتىٰ يكون قياس الخبر علمياً وواقعياً لتمييز الناقل الصادق من الكاذب في الخبر ، وطريقة تمحيص الأخبار تؤدي حتماً إلىٰ توضيح مدىٰ تباعدها عن الواقع والمعقول أو حقيقة قربها .
* – “فمن الغلط الخفي في التاريخ الذهول عن تبدل الأحوال والأجيال بتبدل العصور ومرور الأيام” .
إذ يجب علىٰ المؤرخ أن يراعي طبيعة التطور وعدم إغفال قوانينها ، لأن كل حادثة تاريخية ممكنة الوقوع في عصر المؤرخ منسوبة إلىٰ عصر سابق ، تبقىٰ مستحيلة الحدوث بنفس المعايير لتغير الأحوال وتطورها من عصر إلى آخر . ولا يعني ذلك تغييب منهج المقارنة وقياس الغائب بالشاهد ، والشاهد بالغائب ، لذا على المؤرخ أن يراعي تغير وتطور الإقتصاد والسياسة والمجتمع والثقافة والمفاهيم ، وكذلك تطور نظرة الجمهور إلىٰ علم التاريخ ، لأن تقديم الماضي يساعد على تفسير الحاضر ويسمح بدراسة الترسبات المجتمعية والسياسية والإقتصادية المخلة بالتطور ، كما يسمح بفهم خطابات التجديد والإحياء المرتكزة علىٰ استحضار الماضي ومدىٰ فعاليتها سلبياً وايجابياً سواء في تطوير الحاضر أو في تكريس ثقافة التقليد النفعية لخدمة الجهة المستفيدة إقتصادياً وسياسياً علىٰ حساب الحقيقة .
لنصل إلىٰ مايؤكد بأن التاريخ العربي قد تم تزويره ويحتاج إلىٰ إعادة كتابة جديدة ، لكن ما لا يمكن تغييره هو الحدث التاريخي والوثيقة التاريخية ، وكل مانملكه فقط هو البحث عن وثائق جديدة والشك بالوثائق المتوفرة ، وهي مُتَّهمَة حتىٰ تثبت براءتها ، لأن من كتبها أو وجّه بكتابتها هم حكام كتبوها طبقاً لمصالحهم السلطوية ، أو أشخاص لمنفعتهم الشخصية ، أو لدوافع مذهبية واجتماعية سياسية ذاتية وليست موضوعية .
واليوم نحن أمام إشكالية تجاهلِ وتغييب الحقائق الواضحة في التاريخ العربي ، وهذا يتطلب أن نقف علىٰ أسباب حدوث ذلك وعرض هذا التجاهل والتغييب وأسبابه بكل صدق وشفافية ، حتىٰ نُعيدَ للتاريخ اعتباره بكتابة ما لم يكتب ، لأنه قد يكون إحياءُ ماتمَّ تغييبه والكشف عنه في تاريخنا يغيّر كثيراً مما كُتب تاريخياً ، وبذلك قد نكتشف تزييفاً أو تضليلاً للأجيال ، ونجد أنفسنا أمام مهمة أخرىٰ في منتهىٰ الحساسية والخطورة ، والتي هي الجرأة علىٰ تقويم المعوّج وتصحيح الخاطئ والمزيَّف في التاريخ ، ثم تغيير مفاهيم ومعلومات تاريخية تشربتها الأجيال المتلاحقة ، وهذه ليست مهمة سهلة أبداً ، لأنها تحتاج إلىٰ مؤرخين ثقاة وحياديين تتوفر فيهم الصدقية العلمية ، كما تحتاج إلىٰ إمكانيات مادية غير بسيطة . والأهم ، أنها تحتاج إلىٰ مناخ حرّ للبحث في الممنوع والمُغيَّب .
فهل ننتظر حتىٰ يأتيَ الوقت المناسب الذي تتوفر فيه تلك الإمكانيات والمناخات ، وقد لايأتي .. أم أننا بحاجة للاقتناع بأنه هناك الكثير من الوقائع المغيّبة في تاريخنا أو تم تهميشها وتجاهلها عمداً وعندها يكون لابد من التضحية والمباشرة في دراستها والكشف عنها .
إن الطرح النظري ، أحياناً كثيرة ، قد يرضي النفس ويريحها ، ولكنه أبداً لا يقدّم شيئاً ملموساً لأسباب موضوعية نعيشها ، فالواقع قد لا يسمح بالبحث فيما تم تغييبه عن الذاكرة الجمعية الوطنية أو القومية من التاريخ ، لأن القوة المسيطرة لا تريد ذلك ، أو لأنه قد يؤثّر علىٰ نفوذها وسلطتها وهيبتها لأنها لا تعرف ماهية ماتم تجاهله وتغييبه ، حتىٰ ولو كان فيه ماهو لصالحها ، ولأنها دائماً تتوقع الأسوأ فتلجأ إلىٰ منع أو إهمال أية خطوة أو حتىٰ التفكير في ذلك الاتجاه .
وهنا يمكن أن نحمل بعض الأسباب التي تكمن وراء السكوت عن العبث في تاريخنا :
1). لقد لعبت السلطات دوراً في كتابة التاريخ وهي التي كتبت الوثيقة التاريخية في الغالب . لأن الصدق الذي جاء به كلٌّ من (ابن خلدون و المقريزي ) وغيرهما ، قِلّة تمتعوا بالموضوعية وكتبوا بعيداً عن تأثير السلطات .
2). إن الحالة العامة في المنطقة (سورية الطبيعية والوطن العربي) من العصور المختلفة لم توفر مناخاً حرّاً يمكن لأي مؤرِّخ مستقل ولم تُتِح له أن يكتب التاريخ كما حدث ، وكانت السلطات دائماً تُشهِر سيفها في وجه كل المحاولات ، وأقرب الأمثلة في ذلك ماحدث في عملية التخلص من الزعيم (أنطون سعادة) ، ولأن مؤرخي اليوم “ملكيون أكثر من الملك” ينافقون في كتاباتهم التاريخية ويُغيّبون الحقائق عن الشعوب لاعتقادهم أن ذلك سيحقق لهم مأرباً أو مصلحة .
3). هناك بعض الأحداث التي لم يدرك الناس ونُخَبُهم السياسية أو المثقفة في وقوع الحدث أو بعد وقوعه بأهمية تدوين وقائعها ، ويكتشف آخرون فيما بعد بأنها مهمة ولكن تم تغييب معلومات دقيقة عنها .
4). وجود الجهل بمنهجية التأريخ لدىٰ بعض من كتبوا التاريخ الذين كتبوا غير المهم من الوقائع والأحداث وتعمدوا إهمال المهم منها ، وهناك الكثير من الوقائع التاريخية المهمة تم الوصول إلىٰ حقيقتها ليس عن طريق تلك الكتابات ، ولكن عن طريق مصادر ثانوية ساندت التاريخ بطبيعة وراثة تداولها كالموروثات من الفنون الشعبية (الشعر المحكي والفلكلور والآثار المكتشَفَة) .
5). استجابة مدوّني التاريخ للإغراءات المالية أو السلطوية في تأويل الحدَث التاريخي وتعديل وقائعه وصياغته بما يحقق أهداف المصالح الشخصية ، والمعروف بأن المؤرخين أو مدوِّني الأحداث التاريخية معلومةً وتفسيراً لا يتمتعون جميعهم بالنزاهة وبالموضوعية المطلوبة والضرورية .
لأنه قبل البحث في حقيقة الأحداث التاريخية بين المزيَّف والحقيقي ، يجب البحث في حقيقة المؤرخين وخلفيتهم الفكرية والعقائدية ، ولا يكون ذلك إلا بالنقد التاريخي ، والشك الحيادي في الكتابات التاريخية ، ووجود جيل من المؤرخين تتوفر فيهم الصدقية والموضوعية الحيادية . وبالتأكيد هناك بعضهم أو الكثير منهم ، لكنهم تائهون تحت هذا (التسونامي) الهائل من الزيف والفساد ، وتغييب الإرادة والحرية التي تجبر الجميع علىٰ التفكير بالرغيف اليومي والجري وراءه دون اللحاق به .
ومع التطور العلمي والتكنولوجي الحالي وثورة المعلومات أصبحت مسألة الوصول إلىٰ المعلومة التاريخية أسهل مما مضىٰ ، وأسرع وأوفر وقتاً وكلفة . لذلك فإن ما تمَّ تجاهله أو تغييبه في التاريخ المعاصر تضيق مساحته ، ويكاد يكون ذلك صعباً ، لأن التوثيق بالصوت والصورة صار يتيح البحث ويسهّل كشف الفبركات التضليلية المقصودة ، لكن المشكلة تبقىٰ في أحداث الماضي التي لم تشهد توثيقاً كالذي نعرفه اليوم ، وفي تلك الوقائع التي تمَّ تغييبها في التاريخ ولها تأثيرها الكبير في الحاضر ، لأن جذور ما نعانيه اليوم تكمن في الماضي ، وحين يتم تغييب أحداث الماضي وإحاطتها بالغموض فإنه يصعب فَهمُ وفك طلاسم وقائع الحاضر ، ويُصَعِّب من علاج الواقع المفروض طائفياً ومذهبياً و سياسياً كما في لبنان وإثنياً كما في سورية والعراق ومؤخراً في السودان دون فهم جذور هذه الأزمات والتي تمَّ زرعها في الماضي القريب منه أو البعيد .

اترك رد