الصحفي والإعلامي.. من مهنة الحاضر إلى ذاكرة التاريخ

 

 

الصحفي والإعلامي.. من مهنة الحاضر إلى ذاكرة التاريخ

 

عامر جاسم العيداني

 

ليس كل من مارس الصحافة أو عمل في وسائل الإعلام يصبح بالضرورة جزءا من ذاكرة التاريخ فقد يمضي الإنسان سنوات طويلة في المهنة يكتب وينشر ويظهر على الشاشة ويشارك في صناعة الأحداث الإعلامية ثم تنتهي مسيرته من دون أن يترك أرشيفا واضحا يحفظ ما أنجزه.
وهنا تبرز أهمية التوثيق ليس باعتباره نوعا من البحث عن الشهرة أو تخليدا للذات وإنما باعتباره جزءا من المهنية والمسؤولية تجاه المهنة والتاريخ.
فالصحفي والإعلامي يعملان في المجال نفسه تقريبا لكن لكل منهما طبيعة مختلفة في النشاط والمنجز.
الصحفي هو الذي يتعامل بصورة أساسية مع الخبر والمعلومة والتحقيق والتقرير والحوار والمقال والرأي ويقوم بجمع المعلومات والتحقق منها وصياغتها وتقديمها للجمهور. ولذلك فإن أرشيفه المهني يشكل في كثير من الأحيان سجلا مكتوبا للأحداث التي عاشها المجتمع.
أما الإعلامي فمجاله أوسع إذ يتعامل مع الجمهور عبر التلفزيون والإذاعة والمنصات الرقمية وغيرها وقد يكون مذيعا أو مقدما للبرامج أو معدا أو مراسلا أو منتجا أو مخرجا أو صانع محتوى إعلاميا. ومنجزه لا يقتصر على النص المكتوب وإنما يشمل الصورة والصوت والحوار والبرنامج والتغطية والبث والتقديم.
وقد يجتمع الوصفان في شخص واحد وقد يكون المراسل صحفيا وإعلاميا في آن واحد لكن من الخطأ أن نضع جميع العاملين في الإعلام داخل تعريف واحد ونغفل خصوصية كل مهنة.
ومن هنا فإن التوثيق ينبغي أن يختلف أيضا بحسب طبيعة العمل. فالصحفي يحتاج إلى حفظ مقالاته وتحقيقاته وتقاريره وحواراته ومشاركاته في تغطية الأحداث مع تواريخ النشر وأسماء المؤسسات التي عمل معها.
أما الإعلامي فيحتاج إضافة إلى ذلك إلى أرشفة برامجه وحواراته وتسجيلاته التلفزيونية والإذاعية والتقارير المصورة واللقاءات التي قدمها أو شارك فيها لأن جزءا كبيرا من منجزه لا يعيش على الورق وإنما في الصورة والصوت.
وهنا تكمن مشكلة حقيقية في تاريخ الإعلام العربي والعراقي إذ إن كثيرا من الذين عملوا في الصحافة والإذاعة والتلفزيون تركوا وراءهم منجزا مهما لكن جزءا كبيرا منه أصبح مفقودا بسبب غياب الأرشفة المهنية أو تلف التسجيلات أو ضياع الصحف والمجلات أو اختفاء المواقع الإلكترونية.
إن الصحفي والإعلامي لا ينبغي أن ينظرا إلى أرشيفهما باعتباره ملكية شخصية فحسب بل باعتباره جزءا من ذاكرة المجتمع. فقد تكون مقابلة أجراها إعلامي مع شخصية سياسية أو اجتماعية قبل ثلاثين عاما اليوم وثيقة مهمة للباحثين وقد يكون تحقيق صحفي نشره صحفي قبل عقود شاهدا على قضية كانت تشغل المجتمع في تلك المرحلة وقد تكون صورة أو تسجيل إذاعي أو حلقة تلفزيونية وثيقة لا يمكن تعويضها بعد ضياعها.
ولهذا فإن التوثيق يجب ألا يكون عملا متأخرا يبدأ بعد التقاعد أو انتهاء المسيرة المهنية وإنما ينبغي أن يبدأ منذ اليوم الأول للعمل.
فالصحفي والإعلامي لا يصنعان الحاضر فقط بل إنهما من حيث يشعران أو لا يشعران يساهمان في كتابة تاريخ المرحلة التي يعيشونها.
والفرق بين من يمارس المهنة بوصفها وظيفة ومن يمارسها بوصفها رسالة يظهر أحيانا بعد سنوات طويلة فالأول قد ينتهي دوره بانتهاء عمله بينما يبقى الثاني حاضرا من خلال أرشيفه ومنجزه وشهاداته المهنية.
إن التاريخ لا يتذكر دائما من عمل أكثر وإنما يتذكر في كثير من الأحيان من ترك أثرا يمكن الرجوع إليه.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل صحفي وإعلامي على نفسه ليس فقط: ماذا قدمت اليوم؟
بل: ماذا سيبقى من عملي عندما لا أكون موجودا؟
فالكلمة التي لا تحفظ قد تنسى والصورة التي لا تُؤرشف قد تضيع والتسجيل الذي لا يحفظ قد يختفي لكن المنجز الذي يوثق بعناية يمكن أن يتحول من نشاط مهني عابر إلى جزء من ذاكرة التاريخ.
وهنا تصبح الأرشفة والتوثيق ليستا ترفا بل مسؤولية مهنية وأخلاقية ووفاء للمهنة وللأجيال التي ستأتي بعدنا.

اترك رد


اكتشاف المزيد من جريدة الأقلام الدولية International pens newspaper

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة