البرطال في كريز… ذاكرة المكان وشهادة الأجيال

 

 

البرطال في كريز… ذاكرة المكان وشهادة الأجيال

 

بقلم المهندس عبد الحميد تواتي / تونس

 

في بلدتنا العزيزة كريز، لا تبدو الأمكنة القديمة مجرد جدران صامتة، ولا الأزقة مجرد ممرات تصل بين البيوت. فكل حجر فيها يحمل أثرًا من حياة الذين مرّوا من هنا، وكل سقيفة تخفي وراء ظلّها حكاية، وكل باب قديم كان يومًا مفتوحًا على عائلة، وعلى ضحكات أطفال، وعلى مجالس رجال ونساء، وعلى تفاصيل يومية صنعت، في مجموعها، ذاكرة البلدة.

ومن بين هذه الأمكنة التي تستحق أن نتوقف عندها طويلًا، يبرز البرطال؛ ذلك الفضاء المعماري الذي ارتبط بذاكرة عدد كبير من أبناء كريز، وبقي اسمه حيًا رغم تغيّر الزمن وتبدّل ملامح المكان.

فالبرطال لم يكن مجرد ممر مسقوف، ولم يكن مجرد مجموعة من البيوت المتجاورة، وإنما كان فضاءً للحياة الاجتماعية، ومكانًا تتقاطع فيه مسالك الناس، وتلتقي فيه العائلات، ويجد فيه أهل البلدة ملاذًا من قسوة الحرّ في أيام الصيف، ومجالًا لممارسة بعض الأعمال والحرف والعادات التي كانت جزءًا من الحياة اليومية في كريز القديمة.

وحتى اسم البرطال ارتبط في الذاكرة الشعبية باسم علي بن نصر البعقوبي، الرجل الذي جاء، حسب ما يرويه الأديب والباحث السيد إبراهيم الدرغوثي، من الزرقان، واستقر في كريز، وبنى فيها منزلًا عُرف بالخير والكرم.

ويقول الدرغوثي في شهادته عن المكان:

> «هو برطال علي بن نصر البعقوبي. صاحبه رجل جاء من الزرقان واستقر في كريز وبنى فيها منزلًا عامرًا بالخير. كانت في الطابق الأرضي من البيت قرقيبة لطحن الزيتون، يقصدها الناس ليلًا، وقيل إن عم علي بن نصر لا يترك امرأة تعود إلى بيتها إلا بعد أن تتعشى، لشدة كرمه.»

 

وهذه الرواية لا تقدم لنا اسم صاحب المكان فحسب، بل تفتح أمامنا نافذة على طبيعة المجتمع في كريز في تلك المرحلة؛ مجتمع كانت فيه الضيافة والكرم والتكافل جزءًا من السلوك اليومي، وكانت البيوت لا تُقاس فقط بجدرانها ومساحتها، وإنما بما تمنحه للناس من أمن ودفء ومؤانسة.

ولعل صورة المرأة التي لا يُسمح لها بالعودة إلى بيتها قبل أن تتعشى، كما تروي الذاكرة، تختصر الكثير من معنى ذلك الزمن؛ زمن كانت فيه الجيرة مسؤولية، والضيف أمانة، واللقمة المشتركة تعبيرًا عن المحبة، وكان البيت العامر بالخير بيتًا يتسع لأهله ولغير أهله.

لكن البرطال لم يكن فضاءً للضيافة وحدها. فقد كان أيضًا جزءًا من النشاط الاقتصادي والاجتماعي للبلدة.

ففي المكان، حسب شهادة الدرغوثي، كانت توجد قرقيبة لطحن الزيتون، يقصدها الناس ليلًا. وهذه المعلومة البسيطة تحمل قيمة تاريخية كبيرة؛ لأنها تذكرنا بأن كريز القديمة كانت مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بزراعتها وأشجارها ومنتوجها، وأن معالجة الزيتون واستخراج الزيت لم تكن مجرد عملية اقتصادية، بل كانت مناسبة يلتقي فيها الناس وتتداخل فيها الأعمال مع العلاقات الاجتماعية.

وكان البرطال، كما يقول الدرغوثي، «من معالم كريز القديمة»، ومكانًا يمضي فيه الناس وقتًا طيبًا عندما تشتد عليهم قوايل الصيف.

هناك، في ظل السقيفة، بعيدًا عن لهيب الشمس، كانت الحياة تأخذ إيقاعًا آخر. يجلس الرجال، ويتبادلون الحديث، ويلعب البعض الخربقة، بينما تنشغل أيادٍ أخرى بلفّ السعف وصناعة القفاف وغيرها من الأعمال التي كانت جزءًا من الحرف التقليدية في المجتمع الجريدي.

كان المكان إذن فضاءً يجتمع فيه العمل والترفيه والحديث والذاكرة في آن واحد.

ولأن التاريخ الحقيقي للأماكن لا يُكتب فقط في الوثائق الرسمية، وإنما تحفظه أيضًا ذاكرة الناس، فإن شهادة أبناء كريز تصبح جزءًا أساسيًا من إعادة بناء صورة البرطال.

ومن بين هذه الشهادات شهادة السيدة عواطف نبيلي، التي تستعيد البرطال من زاوية طفولتها، فتقول:

> «البرطال من أجمل الأماكن المعمارية في كريز. هو عبارة عن سقيفة وفي نفس الوقت مجمع لمنازل. كنا نمر به ونحن صغار لنصل إلى باب البطحة، فنشعر بقشعريرة لسكونه وظلمته، إلا أن عزاءنا كان في وجود بعض أهالينا جالسين به من الكبار التي توفاهم الله، فنأنس بهم…»

 

في هذه الشهادة يتحول البرطال من بناء إلى إحساس.

فهي لا تتحدث عن هندسته فقط، ولا عن موقعه، بل تستعيد ذلك الشعور الطفولي الذي كان ينتاب الصغار وهم يعبرون المكان في هدوئه وظلمته. كانت السقيفة بالنسبة إليهم عالمًا آخر؛ لها رهبتها، ولها سكونها، ولها أسرارها الصغيرة.

لكن وجود الكبار كان يمنح المكان ألفة وأمانًا.

وهنا تظهر قيمة أخرى للبرطال: فقد كان مجمعًا للمنازل، ولكنه في الوقت نفسه كان مساحة مشتركة تتقاطع فيها الحياة الخاصة للعائلات مع الحياة الجماعية لأهل البلدة.

فالبيوت متجاورة، والأبواب متقابلة، والناس يعرفون بعضهم بعضًا، وتفاصيل الحياة لا تبقى محصورة خلف الجدران.

ومن شهادة أخرى، يقدم لنا السيد محمد عثماني تفاصيل أكثر ارتباطًا بالعائلة والذاكرة، فيقول:

> «البرطال فيه حوش جدي علي بن الحاج نصر وخوه محمد بن الحاج نصر، الاثنين أولاد العم. حوش جدي علي بن نصر وأولاده محمود اللي هو بابا وعمي عمر وعمي أبكر الله يرحمهم، وتولدو فيه إخوتنا. كانت فيه أربعة عائلات بما فيهم جدي وجداتي حفصية.»

 

وهذه الشهادة تضيف إلى تاريخ البرطال بعدًا آخر: البعد العائلي.

فالبرطال لم يكن مكانًا يعبره الناس فقط، بل كان فضاءً ولدت وعاشت فيه عائلات، وتوارثت فيه الذكريات، وارتبطت جدرانه بأسماء أشخاص أصبحوا اليوم جزءًا من تاريخ كريز الاجتماعي.

ومن أجمل ما تحمله هذه الذاكرة أن بعضًا من حكاية المكان وصل إلينا في شكل شعر.

فقد كتبت الجدة حفصية قصيدة تستحضر فيها حوش العائلة، وتخاطب المكان كما لو كان إنسانًا فقد أهله وناسه. وفي أبياتها يتحول الحوش من بناء إلى كائن حيّ، يتذكر من عاشوا فيه، ويبكي رحيلهم:

> يا حوش جدي وينهم أهلك وناسك
حيوطك رشت بالرغم من قيمتك وصحّة غرڨ ساسك
لا طير وكر فيك كان الوحوش ساكنة حراسك

يا حوش جدي مشت عليك اللمّة
لا عاد يجتمعو فيك لا عم مع عَمّة
لا باب لا شباك، كلهم اندثروا
ولا عادت تصلحك مرمّة
بقاء كان الاسم: دار علي بن نصر
هجروك راحت ناسك

من داخلك خراب صعيب تصلحه وتلمه
تتعدى عليه من الحزن تشدك وجيعة في راسك
يا حوش جدي وينهم أهلك وناسك…

 

إنها ليست مجرد قصيدة عن منزل قديم، وإنما شهادة وجدانية على تحول الزمن.

فالحوش الذي كان عامرًا بالناس أصبح خاليًا، والأبواب التي كانت تُفتح صباحًا وتُغلق مساءً اندثرت، والنوافذ التي كانت تطل على حياة العائلة اختفت، ولم يبقَ في النهاية إلا الاسم.

وهنا تكمن المفارقة الجميلة والمؤلمة في الوقت نفسه:

قد ينهار المكان، لكن اسمه يبقى. وقد تختفي الجدران، لكن الحكاية تبقى. وقد يرحل الناس، لكن الذاكرة ترفض الرحيل.

وهذا بالضبط ما يجعل البرطال جزءًا من التراث العمراني والاجتماعي لكريز.

فهو يحكي لنا عن شكل البناء القديم، وعن السقائف والممرات، وعن تجمع المنازل، ولكنه يحكي لنا أيضًا عن نمط الحياة الذي كان سائدًا في البلدة: عن الجيرة، والضيافة، والعمل، والألعاب الشعبية، وصناعة القفاف، وطحن الزيتون، وعن العلاقات العائلية التي كانت تجعل المكان أكثر من مجرد فضاء معماري.

إن دراسة البرطال، في الحقيقة، ليست دراسة لبناء قديم فحسب، وإنما هي محاولة لفهم كريز الإنسان والمجتمع والحياة.

فالتراث لا يوجد فقط في المعالم الكبرى التي تلفت نظر الزائر، وإنما يوجد أيضًا في الأزقة الصغيرة، والسقائف، والآبار، والبيوت، والمواقد، والأدوات، وفي أسماء الأماكن التي قد تبدو عادية لمن لا يعرف قصتها.

والبرطال واحد من هذه الأماكن التي تقول لنا إن التاريخ قد يسكن في التفاصيل.

ولذلك فإن مسؤوليتنا اليوم ليست فقط أن نتذكر، وإنما أن نوثّق.

أن نسأل كبار السن عن أسماء الأماكن، وأن نستمع إلى شهاداتهم، وأن نجمع الصور القديمة، وأن ندوّن أسماء العائلات التي سكنت هنا، وأن نبحث عن الوثائق، وأن نقارن الروايات، حتى تتحول الذاكرة الفردية إلى ذاكرة جماعية موثقة.

فربما يحمل أحد أبناء كريز صورة قديمة للبرطال لا نعرفها، وربما يعرف أحدهم اسم عائلة أو شخص عاش فيه، وربما يتذكر آخر مناسبة أو عادة أو حكاية مرتبطة بهذا المكان.

كل شهادة، مهما بدت صغيرة، يمكن أن تكون قطعة من لوحة أكبر.

واليوم نبدأ بالبرطال.

نبدأ من هذا المكان الذي بقي اسمه شاهدًا على زمن مضى، وعلى أناس عاشوا فيه، وعلى عائلات عمرته، وعلى رجال ونساء تركوا فيه شيئًا من حياتهم.

نبدأ من البرطال، لا لكي نبكي على الماضي، وإنما لكي نفهمه ونحفظه وننقله إلى الأجيال القادمة.

فكريز ليست مجرد مكان نعيش فيه اليوم؛ إنها طبقات من الزمن فوق بعضها، وكل جيل يضيف طبقة جديدة إلى حكايتها.

وإذا كان الزمن قد غيّر ملامح البرطال، فإن ذاكرتنا قادرة على أن تعيد إليه شيئًا من الحياة.

هذه هي كريز التي نحبها…
كريز التي نفتخر بالانتماء إليها…
كريز التي كلما عرفنا عنها أكثر، ازداد شغفنا بمعرفة المزيد.

فلنكتب معًا ذاكرة كريز؛
مكانًا مكانًا،
وزقاقًا زقاقًا،
وبيتًا بيتًا،
وحكاية حكاية.

واليوم… الحكاية من البرطال.

اترك رد


اكتشاف المزيد من جريدة الأقلام الدولية International pens newspaper

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة