البصرة والفعاليات الدولية.. عندما تتحول الرياضة إلى اقتصاد وتنمية
عامر جاسم العيداني
لم تعد استضافة المؤتمرات والمعارض الدولية والمهرجانات والبطولات الرياضية مجرد مناسبات عابرة تنتهي بانتهاء أيامها بل أصبحت في كثير من دول العالم جزءا من استراتيجية التنمية الاقتصادية والسياحية والعمرانية. والبصرة تمتلك فرصة مهمة في هذا المجال خصوصاً بعد نجاحها في استضافة بطولة كأس الخليج التي أثبتت أن المدينة قادرة على استقبال أعداد كبيرة من الجماهير والوفود وتحويل الحدث الرياضي إلى مناسبة اقتصادية وسياحية واجتماعية واسعة.
إن استضافة بطولات كأس الخليج في البصرة لا ينبغي أن تُنظر إليها باعتبارها مباريات كرة قدم فقط فالآلاف من الجماهير والوفود والإعلاميين والرياضيين الذين يصلون إلى المدينة يحتاجون إلى الفنادق والمطاعم والنقل والأسواق والمراكز التجارية والخدمات السياحية والترفيهية وهذا يعني أن البطولة تحرك سلسلة طويلة من الأنشطة الاقتصادية وتمنح القطاع الخاص فرصة للعمل والاستثمار.
لكن الأهم من الإنفاق الذي يحدث أثناء البطولة هو ما يمكن أن تتركه البطولة بعدها.
عندما تستضيف البصرة حدثا خليجيا كبيرا فإنها تضع نفسها أمام جمهور عربي واسع يتعرف على المدينة ومواقعها وأسواقها وثقافتها وواجهة شط العرب فيها. وإذا أحسن استثمار هذا الظهور يمكن أن يتحول الزائر الرياضي إلى سائح يعود لاحقا مع عائلته أو مستثمر يبحث عن فرصة أو شركة تكتشف سوقا جديدة.
ومن هنا ينبغي أن تتعامل البصرة مع البطولات الرياضية باعتبارها أداة للترويج الاقتصادي والسياحي للمدينة لا مجرد نشاط رياضي.
وهذا يتطلب بناء أجندة مستمرة للفعاليات فبدلا من انتظار بطولة خليجية كل عدة سنوات يمكن للبصرة أن تستضيف بطولات عربية ودولية في ألعاب مختلفة إلى جانب المؤتمرات الاقتصادية والطبية والعلمية والمعارض التجارية والمهرجانات الثقافية والفنية.
وكل فعالية من هذه الفعاليات تخلق طلبا جديدا على الخدمات وتدفع إلى تحسين البنية التحتية وتزيد إشغال الفنادق وتنشط المطاعم والأسواق والنقل وتوفر فرصا للشباب في مجالات التنظيم والإعلام والترجمة والخدمات والسياحة.
كما أن موقع البصرة الاقتصادي يمنحها فرصة إضافية فهي مدينة نفط وموانئ وتجارة وحدود ويمكن أن تجمع بين الاقتصاد النفطي والاقتصاد الخدمي والسياحي والرياضي. ويمكن للمعارض والمؤتمرات المتخصصة في النفط والغاز والطاقة والموانئ والنقل والتجارة أن تجعل البصرة مكانا دائما للقاء الشركات العراقية والخليجية والدولية.
أما شط العرب فيمكن أن يكون جزءا من هذه الصورة التنموية فالمدينة التي تستضيف وفودا عربية ودولية تحتاج إلى واجهات حضرية ومناطق سياحية ومطاعم ومقاهٍ ومرافق ترفيهية ومساحات عامة تجعل الزائر يشعر بأن وجوده في البصرة تجربة متكاملة وليس مجرد حضور مباراة ومغادرة المدينة.
ومن الضروري أيضا أن تتحول المنشآت الرياضية التي أُنشئت أو طورت لاستضافة البطولات إلى منشآت تعمل طوال العام فالملعب الرياضي لا ينبغي أن يبقى مغلقا بعد انتهاء البطولة بل يمكن أن يكون مركزاً لاستضافة مباريات وبطولات ومؤتمرات ومعارض وفعاليات جماهيرية وفق إدارة اقتصادية واضحة.
وهنا يأتي دور القطاع الخاص فالدولة تستطيع توفير البنية التحتية لكن تشغيل الفنادق والمطاعم والمراكز التجارية والمرافق السياحية وشركات النقل وتنظيم الفعاليات يجب أن يفتح بصورة أوسع أمام المستثمرين لأن التنمية المستدامة لا يمكن أن تقوم على الإنفاق الحكومي وحده.
البصرة تستطيع كذلك أن تبني روزنامة سنوية للفعاليات تبدأ ببطولات رياضية خليجية وعربية وتمتد إلى المعارض الاقتصادية والمؤتمرات الدولية والمهرجانات الثقافية والسياحية وعندها يصبح لكل شهر تقريبا نشاط يجذب الزوار ويحرك الاقتصاد.
والأهم أن تقاس نتائج هذه الفعاليات بالأرقام عدد الزائرين ونسبة إشغال الفنادق وحجم الإنفاق وعدد الشركات المشاركة والعقود والاستثمارات التي نتجت عنها وفرص العمل التي وفرتها. فهذه المؤشرات هي التي تحدد القيمة الاقتصادية الحقيقية للحدث.
إن مستقبل البصرة لا ينبغي أن يعتمد على النفط وحده رغم أهميته بل على قدرتها على بناء اقتصاد متنوع يستفيد من موقعها وثرواتها وموانئها وشط العرب وطاقاتها البشرية.
وقد أثبتت بطولات الخليج أن البصرة قادرة على استقبال العالم والخطوة التالية هي أن تجعل من استضافة العالم صناعة اقتصادية دائمة بحيث لا تنتهي فوائد البطولة مع صافرة الحكم الأخيرة بل تبدأ بعدها مرحلة جديدة من السياحة والاستثمار والتجارة والتنمية.
فالبصرة ليست مدينة تستضيف البطولات فقط بل يمكن أن تصبح مدينة تصنع من الفعاليات جسرا بين الرياضة والاقتصاد والسياحة والاستثمار والتنمية.

اترك رد