نبيل خليفة في حوار خاص: رحلة صوت طربي من القلعة الكبرى إلى رحاب الأغنية العربية .
حاوره: المهندس عبد الحميد تواتي / تونس
في المشهد الغنائي التونسي أسماء اختارت أن تجعل من الفن مساراً قائماً على الشغف والتكوين والبحث المتواصل عن الكلمة الجميلة واللحن الراقي. ومن بين هذه التجارب تبرز تجربة الفنان والمطرب التونسي نبيل خليفة، أصيل مدينة القلعة الكبرى من ولاية سوسة، الذي اختار منذ سنوات أن يواصل مسيرته في رحاب الأغنية الطربية، وفياً للموسيقى العربية وذاكرتها، ومنفتحاً في الوقت نفسه على التجارب الحديثة.
في هذا الحوار، يتحدث نبيل خليفة عن مسيرته الفنية، وعن مفهومه للاحتراف في تونس، ورصيده من الأغاني والفيديو كليبات، ومشروعه الفني «كناويتا»، إلى جانب مشاركاته العربية والدولية، وعلاقته بـجمعية السنباطي للموسيقى العربية بسوسة، وحرصه على تكريم رموز الأغنية التونسية، فضلاً عن مشاريعه الفنية القادمة.
س: بداية، كيف تقدم نفسك للقارئ؟
نبيل خليفة: أنا فنان ومطرب تونسي، أصيل مدينة القلعة الكبرى من ولاية سوسة. بدأت مسيرتي الفنية في إطار الاحتراف منذ سنة 2007، لكنني، رغم ذلك، أفضل دائماً أن أصف نفسي بالهاوي، لأنني أرى أن الاحتراف الحقيقي يتطلب التفرغ الكامل للفن، وهذا الأمر ليس متاحاً دائماً للفنان في تونس.
س: لماذا تعتبر أن الاحتراف الفني الكامل ما يزال صعباً في تونس؟
نبيل خليفة: لأن الفنان في تونس يجد نفسه في كثير من الأحيان مضطراً إلى ممارسة عمل آخر إلى جانب الفن حتى يضمن استقراره المادي. الفن وحده لا يوفر دائماً الاستقرار الذي يسمح للفنان بالتفرغ الكامل لمهنته.
لكن بالنسبة إليّ، الفن قبل أن يكون مهنة هو شغف ورسالة. ولذلك واصلت الطريق، وحرصت على تطوير تجربتي وإنتاج أعمالي الخاصة رغم الصعوبات.
س: ماذا عن رصيدك الفني بعد هذه السنوات؟
نبيل خليفة: لدي اليوم حوالي 60 أغنية من إنتاجي الخاص، إضافة إلى 12 فيديو كليب، كما قدمت خلال مسيرتي حوالي 25 عرضاً فنياً خاصاً.
وأعتبر أن هذا الرصيد هو ثمرة سنوات من العمل والاجتهاد والبحث عن الأعمال التي يمكن أن تضيف شيئاً إلى مسيرتي وإلى الساحة الغنائية.
س: من أبرز مشاريعك الفنية «كناويتا». ماذا يمثل هذا المشروع بالنسبة إليك؟
نبيل خليفة: «كناويتا» من المشاريع المهمة جداً في مسيرتي، ويضم نسبة كبيرة من أغنياتي الخاصة.
العمل كان مدعماً من وزارة الشؤون الثقافية، وقدمناه في عرض أول أمام لجنة مختصة في تونس، والحمد لله حظي بالقبول.
بالنسبة إليّ، «كناويتا» ليس مجرد مجموعة أغانٍ، وإنما مشروع فني حاولت من خلاله أن أقدم لوناً غنائياً يقوم على الكلمة واللحن والأداء، وأن تكون للأغنية قصة ومضمون.
س: للشاعر المولدي حسين حضور مهم في عدد من أعمالك. كيف تصف هذا التعاون؟
نبيل خليفة: الشاعر المولدي حسين شاعر معروف على الساحة الفنية الوطنية والعربية، وله حضور مهم في تجربتي.
أنا أبحث دائماً عن الكلمة التي تحمل معنى، وتروي قصة، وتقدم فكرة. لذلك أحرص على أن تكون الأغنية ذات مضمون هادف، وأن تكون كلماتها راقية وقادرة على الوصول إلى وجدان المستمع.
س: تجربتك لم تبقَ محصورة في تونس، بل كان لك حضور عربي ودولي. حدثنا عن ذلك.
نبيل خليفة: شاركت في العديد من المهرجانات والتظاهرات الفنية العربية والدولية، وكانت لي مشاركات مهمة في عدد من البلدان.
وتبقى مصر من أبرز المحطات في تجربتي، حيث شاركت في عدد من التظاهرات والمسابقات وتحصلت، خلال مشاركاتي، على خمس جوائز عربية.
كما كانت لي مشاركات في الجزائر، حيث مررت عبر عدد من الإذاعات والقنوات التلفزية الجزائرية، وكانت لي أيضاً مشاركة عبر الفضائية الفلسطينية.
هذه المشاركات مهمة للفنان لأنها تمنحه فرصة للتعريف بتجربته والتواصل مع جمهور عربي متنوع، كما تفتح أمامه آفاقاً جديدة للتعاون والتبادل الفني.
س: وماذا عن علاقتك بمدينة سوسة وحضورك الفني فيها؟
نبيل خليفة: سوسة لها مكانة خاصة في مسيرتي الفنية، وقد قدمت فيها العديد من الحفلات والعروض.
ومن بين المحطات التي أعتز بها عرض «حليميات»، الذي قدمته بالتعاون مع الأوركسترا السامفوني، وكان مناسبة للعودة إلى أعمال الفنان الكبير عبد الحليم حافظ وتقديم جانب من رصيده الغنائي أمام الجمهور.
س: يبدو أن تكريم رموز الأغنية التونسية والعربية يحتل مكانة مهمة في تجربتك؟
نبيل خليفة: بالتأكيد. أنا أؤمن بأن الفنان لا يمكن أن يبني مستقبله من دون أن يعرف ماضيه ويحترم الذين سبقوه.
لذلك قدمت عروضاً ومشاريع لتكريم عدد من رموز الأغنية التونسية، من بينهم علي الرياحي، والهادي الجويني، ويوسف تميمي وغيرهم.
تكريم هؤلاء الفنانين هو في الحقيقة تكريم للذاكرة الموسيقية التونسية، وتعريف الأجيال الجديدة بأسماء وتجارب صنعت جزءاً مهماً من تاريخ الأغنية في بلادنا.
س: وماذا عن مشروعك القادم لتكريم الفنان الهادي الشاكر؟
نبيل خليفة: أستعد لتنظيم عرض فني خاص لتكريم الفنان الهادي الشاكر، ومن المقرر أن يكون يوم 14 نوفمبر بالمسرح البلدي بسوسة.
هذا النوع من العروض يمثل بالنسبة إليّ امتداداً لمسؤوليتي تجاه الذاكرة الفنية. عندما نكرم فناناً من رواد الأغنية، فإننا لا نستعيد الماضي فقط، وإنما نمنح الأجيال الجديدة فرصة للتعرف على تلك التجارب والاستماع إليها من جديد.
س: حدثنا عن علاقتك بجمعية السنباطي للموسيقى العربية بسوسة.
نبيل خليفة: علاقتي بـجمعية السنباطي للموسيقى العربية بسوسة قديمة ومهمة جداً في مسيرتي.
أعتبر الجمعية مدرسة كلاسيكية عريقة في الموسيقى العربية، وقد ساهمت في صقل موهبتي وتأطيري موسيقياً، ومكنتني من حفظ الأدوار والموشحات والتعرف إلى قواعد الموسيقى العربية والتمكن منها.
هذه التجربة كان لها أثر كبير في تكويني وفي طريقة تعاملي مع الأغنية، لأنها جعلتني أكثر وعياً بقيمة المقامات والأدوار والموشحات، وبأهمية التكوين الموسيقي بالنسبة إلى المطرب.
س: بعد سنوات من التجربة، ماذا يعني لك الفن اليوم؟
نبيل خليفة: الفن بالنسبة إليّ ليس مجرد الوقوف على المسرح أو تسجيل أغنية. الفن مسؤولية وتكوين ووفاء للتراث، وهو أيضاً بحث متواصل عن الجديد.
الفنان مطالب بأن يحافظ على هويته الفنية، وفي الوقت نفسه يطور نفسه ويواكب عصره. وأعتقد أن الجمهور في النهاية يميز العمل الجاد ويحترم الفنان الذي يقدم له شيئاً صادقاً ومحترماً.
س: ماذا تقول لجمهورك الذي تابع مسيرتك طوال هذه السنوات؟
نبيل خليفة: أتوجه بالشكر إلى كل من ساندني ووقف إلى جانبي خلال مسيرتي، وإلى كل من تابع أعمالي وشجعني.
الجمهور هو الدافع الحقيقي للفنان، وأتمنى أن أواصل تقديم أعمال تليق به، وأن أبقى وفياً للأغنية الطربية وللموسيقى العربية، وأن أقدم أعمالاً تحمل قيمة فنية وإنسانية.
—
كلمة أخيرة
يكشف الحوار مع الفنان نبيل خليفة عن تجربة فنية تونسية تشكلت على مهل، ولم تعتمد على الحضور الصوتي وحده، وإنما راهنت على التكوين والبحث والكلمة واللحن والوفاء للذاكرة الموسيقية.
من القلعة الكبرى بولاية سوسة بدأت الرحلة، ومنها انفتح الفنان على المشهد الوطني والعربي، حاملاً معه شغفاً بالأغنية الطربية وإيماناً بأن الفن الحقيقي لا ينفصل عن التكوين ولا عن احترام من سبقوا.
وبين نحو ستين أغنية من إنتاجه الخاص، واثني عشر فيديو كليب، وحوالي خمسة وعشرين عرضاً فنياً خاصاً، ومشاركات عربية ودولية، وجوائز تحصل عليها في مصر، تتواصل مسيرة نبيل خليفة، الذي اختار أن يجعل من تكريم الرواد وحفظ الذاكرة الموسيقية جزءاً من مشروعه الفني.
وتظل علاقته بـجمعية السنباطي للموسيقى العربية بسوسة إحدى المحطات المهمة في تكوينه، بما وفرته له من معرفة بالأدوار والموشحات وقواعد الموسيقى العربية.
إنها تجربة فنان يرى في الغناء أكثر من مجرد مهنة؛ يراه شغفاً ورسالة ووفاءً للتراث، ومسؤولية تجاه الجمهور والذاكرة الفنية التونسية.


اترك رد